رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كل أسبوع

للأسف الشديد مازلنا نعانى من فتاوى الجهل والضلال من أصحاب العقول المتحجرة الذين يحاولون أن يحكمونا بفقه وفتاوى صدرت فى عصور تختلف عن عصرنا وظروف تختلف عن ظروفنا، وأشخاص يختلفون عنا، وعلماء لو كانوا بيننا الآن لتغيرت فتاواهم هم أنفسهم حسب تغير الزمان والمكان والمستفتى، لأن الدين جاء لإسعاد البشر والتوسعة عليهم لا لإشقائهم وجعلهم فى حرج دائم، يقول الله تعالى: ".. وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .." (من الآية 78- سورة الحج )، ولست بصدد تفسير الآية الكريمة وإنما أريد أن أدلل على أن رفع الحرج عن حياة الناس من صميم الدين، وهذه هى مهمة العلماء فى كل عصر ومصر، إلا أن بعض مستوردى الفتاوى وأصحاب الاتجاهات المعادية للدولة المصرية، الحريصين على التشكيك فى كل ما يصدر عن دار الإفتاء المصرية أو عن علماء الأزهر عموما يخرجون علينا كل عام بفتوى تحريم إخراج قيمة زكاة الفطر نقودا ويسعون بكل طريقة لإلزام الناس بإخراجها حبوبا، بالمخالفة لما استقرت عليه الفتوى فى دار الإفتاء المصرية التى تراعى أحوال الفقير الذى يحتاج للنقود أكثر من الحبوب التى لا ينتقع بها، وقد أخذت المملكة العربية السعودية مؤخرا بهذه الفتوى بعد أن تاكد كبار العلماء لديها من أن إخراج القيمة نقودا أنفع للفقير، وشاهدوا بأنفسهم كيف أن الفقير يضطر لجمع الحبوب التى يتلقاها من المزكين ثم يبيعها بأبخس الأثمان لأنه يحتاج إلى النقود لشراء ملابس العيد لأولاده أو لسداد ديونه أو لشراء علاج له أو لأحد افراد أسرته.

من هنا تأتى أهمية الكتاب الذى صدر مؤخرا عن وزارة الأوقاف من تأليف نخبة ممتازة من علماء الأزهر الشريف المتخصصين فى الدراسات الفقهية والشرعية، بمشاركة الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف وتحت إشرافه. الكتاب بعنوان: " فقه النوازل"، وهو كتاب يؤصل تأصيلا علميا وفقهيا لفقه النوازل والمستجدات، ويتناول قضايا فى غاية الأهمية عدم التناقض بين الإيمان والعلم ويبلور العلاقة بين القواعد الفقهية والمستجدات العصرية، ويجيب على كثير من الأسئلة الشائكة فى بابه.
يقول وزير الأوقاف فى تقديمه للكتاب: للأحوال العادية أحكامها، وللنوازل أحكامها، والطامة الكبرى فى انسداد أفق من لا حظَّ لهم من العلم النافع، ممن جمدت عقولهم عند حفظ بعض المسائل أو الأحكام الجزئية دون أن يلموا بشيء من فقه الأولويات أو فقه النوازل، ولم يفقهوا شيئًا من قضايا الاستحسان والاستصحاب، أو المصالح المرسلة، أو ما عمت به البلوى، دون أن يفرقوا بين الكليات والجزئيات، ودون أن يحسنوا ترتيب الكليات أو المقاصد الضرورية، ولم يفقهوا مراد الشارع منها، إنما جعلوا عمدتهم ورائدهم فى كل شيء بعض ما حفظوه من بطون الكتب أو ما أخذوه على يد كبيرهم فى الجماعة أو التنظيم.
وللأسف الشديد لا يزال هناك متحجرون يقفون عند ظواهر النصوص ولا يتجاوزون الظاهر الحرفى لها إلى فهم مقاصدها ومراميها، فيقعون فى العنت والمشقة على أنفسهم وعلى من يحاولون حملهم على هذا الفهم المتحجر.
لذا فإننا فعلا مع ما ذهب إليه وزير الأوقاف ذلك العالم المستنير فى أننا بحاجة ملحة إلى الفهم المقاصدى للنصوص، وإلى دراسة عصرية للقواعد الفقهية والأصولية وإعطائها الأولوية فى مجال الدراسة الأكاديمية وفى مجال التدريب والتأهيل النوعى التراكمى المستمر، بما يسهم فى تكوين عالم عصرى مستنير قادر على إعمال العقل فى فهم النص فى ضوء الحفاظ على ثوابت الشرع.
تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة