أبيض وأسود
أفضل لقب لدراما رمضان هذا العام أنها "مسلسلات المتقاعدين عن الأمل".. ولم لا، فالموسم هذه المرة يأتي في قلب "جائحة كورونا" التي ضخت الخوف في أوردتنا، وأطفأت أنوار العواصم الصاخبة، ووضعتنا تحت الإقامة الجبرية بالمنازل، وأقعدتنا عن العمل والسمر والأمل بعد أن أصابتنا متلازمات قلة الحيلة والقهر والحسرة من توحش فيروس دقيق غير مرئي ومستجد.
أكثر ما كنت أخشاه مع إصابات كورونا الأولي التي تسللت لمصر في منتصف فبراير الماضي وتزايدت في مارس، ومعها بدأت الإجراءات الإحترازية بحظر التجوال الجزئي، وإغلاق المدارس ودور العبادة والمقاهي والكافيهات والأندية والملاهي، وتوقف تصوير كل المسلسلات أسبوعين، أن تغيب الدراما عن الشاشات هذا العام، فالكتب والموسيقي والأفلام والمسلسلات هي الملاذ الوحيد الآمن في ظل هذه الجائحة، وهي الظل من قيظ الوباء، وهي آخر أنفاس انسانيتنا وحريتنا وشغفنا، وبالفعل تعثرت أعمال أحمد عز وأحمد عيد وطارق لطفي وهيفاء ومي عز الدين وغيرهم، لكن كثير من صناع الدراما غامروا بمواصلة التصوير لإنارة الشاشات والحياة ومحاصرة اليأس لدي المشاهدين المتقاعدين عن الأمل.
صناع الدراما هذا العام هم صناع البهجة، يستحقون التحية مثلهم مثل أبطال الطواقم الطبية والجيش والشرطة، فعلاج الأبدان لا يتم إلا بعلاج النفوس، وإن كان الفن لديه القدرة علي تحرير الإنسان من الجهل والاستغلال والقسوة والقهر، فهو أيضًا صاحب سطوة في مداواة أمراض العزلة والحجر المنزلي، وهذا ما تشير له الروائية والناقدة الإيرانية آذار نفيسي، الفارة من نظام حكم الملالي والمقيمة بأمريكا، في كتابها" أن تقرأ لوليتا في طهران"، مستندة علي رؤية الأديب فيتزجيرالد عن الفنان وكيف أنه "يستفز فينا القدرة علي الفرح والدهشة، ويحاكي احساسنا بالشفقة وبالجمال وبالألم، وكيف أنه يناشد فينا قناعاتنا بفكرة تعاضدنا مع بعضنا البعض، تلك القناعات الثابتة والمستوحشة في آن واحد، وذلك التعاضد الذي يضم القلوب الوحيدة إلي بعضها، في الحلم والفرح والأسي والطموح والوهم، أو في الخوف الذي يشد الإنسان لأخيه الإنسان، ويجعل البشرية أقوي وأكثر تماسكًا، يشد الموتي للأحياء والأحياء لمن لم يولدوا".( ص186).
الدراما هذا العام لم تكن ترفًا، ولا تسالي ومسليات، فهي دراما الضرورة والظرف الاستثنائي لبشر يشعرون أنهم يعودون لحياة الكهوف حيث تتربص بهم الجوارح والمسوخ والتنانين في الخارج، وبقدر أهميتها أجزم أنها الأعلي مشاهدة في تاريخ الفن، والأعمال التي تجاوزت العشرين شغلتنا عن دقات عدادات إصابات ووفيات كورونا لبعض الوقت، وأضفت لحياتنا دموع وضحكات، فتحية لصناع الدراما الأبطال، الذين قدموا لنا مسلسلات قادرة علي بعث الحياة التي شوهتها كورونا والشائعات والخوف.
حقيقي أن الدراما عانت من ضيق التنفس والحرية والمشاغبة وارتدت الكمامة، لكن بعضها تحلي بالذكاء وأثار الجدل وامتعنا ووضعنا أمام قضايا مصيرية لا تقل خطورتها عن كورونا علي رأسها الإرهاب والتشدد الديني والتفكك الأسري.
وكما فزنا بهذه الأعمال الفنية التي رممت مشاعرنا في زمن الجائحة، فهناك فائزون من أسطوات الدراما يستحقون الإشادة والثناء لتميزهم وفرادتهم.. فمسلسل "الفتوة" يستحق المركز الأول في الدراما، والذي يعود للماضي ليمرر رسائل عن التسامح والحب والرضا والحق والجمال في عصر القوة .. والمركز الأول في الكوميديا لمسلسل"100 وش" الذي جعلنا نغني ونضحك ونحلم بالثراء السريع ونشارك أبطاله جرائمهم ونتساءل لماذا نحب هؤلاء اللصوص؟ هل لأنهم ظرفاء أم لأنهم يخرجون علي القانون بخفة وشطارة؟ الأمر يحتاج لعلماء الإجتماع، فصديقتي زينب، ابنة الفنان العظيم الراحل جمال اسماعيل، تساءلت علي الفيس بوك قائلة:" حد عنده تفسير علمى او نفسى إحنا ليه حبينا عصابه ١٠٠وش ومش عايزينهم يتمسكوا غير ان دمهم خفيف بس فى النهايه برضه نصابين"، وأعربت أنها تشعر بالذنب لأنها أحبتهم.. والحلقة الـ 28 من مسلسل "الإختيار" تغرد خارج السرب كعمل ابداعي فريد من نوعه اقعدنا جميعًا متسمرين أمام الشاشة وأوجعنا ووثق لملحمة وطنية عظيمة لأبطال الصاعقة المصرية في مواجهة الإرهاب الأسود، الحلقة تجب نقاط ضعف شابت العمل، وداوت سقطات المؤلف، وأفلت أعصابنا وابكتنا وأشعرتنا بالثمن الكبير والتضحيات الجليلة التي يقدمها بواسل القوات المسلحة، وهذا جمال وتمام الفن.. وياسر جلال وآسر ياسين الأحسن في التمثيل رجال.. والتمثيل نساء مميز للغاية هذا العام، وأفضل من الرجال، وتحتار بين مي عمر ومها نصار ونجلاء بدر ونيللي كريم ودينا الشربيني أيهن الأفضل، كلهن رائعات ومميزات، لكن مها نصار تشق طريق عالمي وهي مميزة ولها حضور وتكنيك وأسلوب مختلف نظلمها لو قارناها بعبلة كامل اعتقد أنها لو نالت مساحة أكبر ستتفوق علي الجميع.. والإخراج الأفضل يتقاسمه حسين المنباوي(الفتوة) وكاملة أبو ذكري(100وش) وبيتر ميمي(الاختيار) الثلاثة تباروا في الإبداع وقدموا أفضل ما لديهم.. ولدينا مشكلة كبيرة في السيناريو هو أضعف حلقات الدراما هذا العام ولا يستحق أحد المركز الأول، فلا أفكار كبيرة ولا جرأة ولا شخصيات عميقة ولا حوارات تتقدم بنا للأمام وللوراء بسرعة كرة تنس وبكثافة تثري العمل، تخيل مسلسل الإختيار لو كان مؤلفه وحيد حامد أو لينين الرملي، كان العمل سيختلف كثيرًا للأفضل، واستدعائهما لأن لكل منهما معالجة واعية في محاربة الإرهاب تقوم علي الثوابت الوطنية وبثقافة موسوعية دون خوف أو وجل أو مغازلة.. وأفضل ممثل ثاني أحمد زاهر(البرنس) الذي أدهشنا ببراعته في شخصية فتحي الشرير، ويشاركه البراعة الممثل الشاب اسلام ابراهيم (100 وش) الذي يبدأ مسيرة ممثل عظيم ننتظر منه الكثير.. وأفضل ممثلة ثانية تصيبك بالحيرة لأن الممثلات "اشتغلوا جامد" علي أنفسهن، وروجينا ودنيا ماهر تحتار بينهما أيهما الأفضل.. الموسيقي التصويرية الأفضل يستحقها عادل حقي، طبعا هو "ناحت" أربع مسلسلات هذا العام لكنه موسيقاه في مسلسل "البرنس" جميلة ومعبرة وجزء أساسي من نجاح وشعبية العمل.. التصوير الأفضل يذهب لاسلام عبد السميع (الفتوة) فقد قدم كادرات عظيمة شديدة الجمال تذكرك بلوحات المستشرقين الذين وقعوا في غرام القاهرة بالقرن التاسع عشر بألوانها وظلالها وحيويتها.. والفنانة العظيمة القديرة إنعام سالوسة تستحق وسام التألق مع مرتبة الشرف فدورها لأم حسن الجبالي في الفتوة أظهر لنا أن موهبتها لا تنضب تفوقت ببساطة علي الجميع ولعبت بمشاعرنا، ويستحق تامر مرسي وسام تقدير علي الإنتاج المميز فهو البطل وراء خروج الإختيار والفتوة للنور بهذا الوهج والتميز.
مسلسلات هذا العام ايقظت مشاعر المتقاعدين عن الأمل، وقالت لنا أن الحياة تستحق، وعلمتنا ما قاله الروائي الأمريكي أمور تاولز بعمله الفريد" جنتلمان في موسكو" أنه"عندما تمنع الحياة الإنسان من ملاحقة أحلامه، سيتحايل لملاحقتها بأي حال".. وصاحت في وجهنا بنصيحة فرانسيسكا في رواية "حكايات من ضيعة الأرامل.. ووقائع من أرض الرجال" للأديب الكولمبي جيمس كانيون "إن كان هناك شئ يجلب لك الحزن.. فتخلصن منه"، فالتحية للجميع.