رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


النوستالجييون يستعيضون بالإستشراق بشمس الغياب ويتعمدون استغراب أقمار الحاضر.النوستالجييون يدربون الحاضر على إحترام الماضي.

النوستالجييون يبخسون اليوم، ويقايضون الغد بلحظات الأمس الأثمن.

النوستالجيون يفرطون في التعلق بالأبيض والأسود ولهم وله بالشفاف وعشق خاص للباستيل.للنوستالجييون نفوس عافت التجاوب مع المتاح، فشغفهم هو المُحال.

النوستالجييون ينشبون معركة مع النسيان في محراب الخيال، لينصرون جيش الذكريات.

النوستالجييون يكترثون بالإفتراضي المُرَمَم بسحر أتربة زماااااااااااااااااان.

النوستالجييون يبترون جغرافيتهم لترقيع تاريخهم.

النوستالجييون يقيلون لوحة للفنان الشهير"فابيان بيريز" شغفًا بوضع برواز عتيق، مخدوش لصورة فوتوغرافية ممزقة لا ألق فيها،لكونها مُظَهّرة بحروف، بخط انسان أغلى من القلب.

■ ■ ■

النوستالجييون يزهدون في شقة مطلة مباشرة على البحر، إعلاءً للشُرفة الجانبية ببيت جدتهم.

النوستالجييون يُسعفون لحيظة ماتت، لإحيائهابرفع ذكراها، للقبض على جمر الرحيل أو لملامسة نسيم غوالي مروا بأزقة الحياة.
النوستالجييون يعبثون مع حلم يقظة شفاف يعلمون أن أرصدته مكشوفة وحساباته وهمية.

النوستالجييون يجنحون لحانة الذكريات لإرتكاب جنحة إدمان كؤوس خمر "الأمس" المعتق.

النوستالجييون من عشاق مجالسة المسنين لكن لا يكترثون بزيارة الأضرحة.

إنهم يتعاملون مع التذكار كبقع مقدسة، يتبركون بها في هيامات العمر.

إنهم يرتوون من مٌقل بات ماؤها يقرع الخدود حتى صارت أخاديد، أسفًا على البعاد.
كذلك يولمون لباقات الذكريات ويستدعون حُلم خطوته عزيزة، ويقسمون عليه
أن تالله لتزورن عتبات أذهاننا، لتشريف حفل الشرود.

إلهامٌ ما، يدفع النوستالجييون لتحمل جهنم واقعهم، أملًا في تدشيناحتفالية لذكرى الغد بإستخدام"السيلفي" مع أسلافهم وأخلافهم، أما النوستالجي المخضرم فلا يحتاج "لسيلفي"، فقد سرق الحدث من الدهر، وحجية الحدث بحافظة فكره.

■ ■ ■

إنهم يعيشون السكرة أكثر مما يتعايشون مع الفكرة، إذ لابد من اختمار التجربة، لكنهم لا يعاقرون الخمر ولو كان حلاً لهم، فهم بحاجة لليقظةلحفظ مقتنياتهم وصَفِّها بخانات الذكريات.

النوستالجييون لا يضعون أرصدتهم من أحداث يومهم في حساباتهم الجارية، بل في التوفير. ذاك الذي سيسحبون منه لآخر العمر.

النوستالجييون يتعاطون مع واقعهم، كما مع زرابيّهم من البُسط، فكما السجاد تزداد قيمته كلما دهسته الأقدام، كذلك ترتقي قيمة إحداثياتهم اليومية بمرور الدهر.

■ ■ ■

الذكريات هي هوامش الماضى، قشور دنيانا، يُسقطها الجاهل، فيما يدرك النوستالجييون أن جُلّ الفيتامينات في القشور، وأن الملاحظات الهامة لا تُسطر سوى على الهامش.

اننا بإزاء قوم يجدون السلوى في تذكار أنّات مضت، لإجترار التلذذ بذكرى العناية الفائقة المُهداة لسُعالِهم في الصِغر.

النوستالجيبون واعين لقيمة بكارة مشاعرهم الشابة، فتراهم كما أشار ديستويفسكي يثمنون أخطائهم الطازجة، عن صوابيات كهولتهم المحفوظة.

النوستالجييون يسيرون بجانب حائط السراب، ظمًأ لشَربة مستخرجة من أبار سَبتِهم، احآدهم وجُمعهم، ثم يقومون بتصفية الأبار لإنتقاء أعذب اللحيظات، لإدخارها بحويصلة خيالاتهم لتدفئتهم بشتاء العمر.

النوستالجييون يثمنون جنيهًا ذهبيًا مصكوك عليه صورة الملك فاروق، مُهدى لهم من الجدات، ليعلو على ماسة اشتروها من حَلَالِهم.

النوستالجييون يميلون للأخشاب لا للفوميه، للشيشان لا الالوميتال، للانتيك والفينتاتج، لا للمودرن، لمربى الجدات لا ل "فيتراك" للتليفون الأرضي لا للجوال.

■ ■ ■

النوستالجيون يتعلقون كالثكالى ببصمات الراحلين، على زجاج النوافذ، بين دفاتر الأمس أو على البيانو القديم.

إنهم يستميتون في نفخ الجمر المبتل، أملًا في إعادة اشعال قلوب فترت مشاعرها.

النوستالجييون يتفهمون رغبة عجوز في مقايضة "شكمجياتها" بما فيها من مصاغ مُعسجد، مقابل استعادة طيف لمسة يٍد أَهدتها مشاعر حانية.

النوستالجييون يفتقرون لمهارات الشخصيات العملية، فيتحرجون من إنهاء محادثة هاتفية، بل يمنحون محدثهم أبعاد رباعية في الإهتمام واظهارالشغف، وحتى لو انتهت المكالمة، يعاودون رفع السماعة، لربما هنالك -عبر الأثير- بقايا من صدى صوت محدثهم.

النوستالجييون يتماهون مع توق السجين لومضة بشرفة بيته

ومع أمل المُّهَجّرين في استرداد أغصان الزيتون.

.للنوستالجييون شوق لطهارة أحلامهم قبل بلوغهم الحُلُم

للنوستالجيين أيقونة مقدس مرسوم فيها صورة "هناء يوم عُقد قرانها على الوحدة".

يحرص النوستالجيون على تناول جُرعاتهم الليلية من "الشرود" كدوز من الدواء.

الحَنين قائد طاغية، أو راعي غير صالح، يجر خلفه قطعان من النوستالجيين.

إنهم يعطرون وسائدهم "بشانيل 5"، لا عشقاً في العطر، بل لكونه تذكار ممن ارتدوه.

النوستالجيون ينتفضون لدى سماعنغمة لعبة إلكترونية لأبنائهم لها صوت شبيه لرنة "الترانك" زماااان.

■ ■ ■

- يوسوس الحنين للنوستالجييون بعبارات تقفز لأذهانهم

في خطرات تتسارع كخطوات بلا اتساق
كوابل من المطر ينهمر أينما يحط .
كمُخرج يدير لقطات متلاحقة لفيلم بلا "راكور" منضبط.

مشاهد تعربد في يومهم، تشرزم تفكيرهم وتربكه،أو تدغدغه أو لربما تلولبه كإعصار يفتك بياناتهم الفكرية فيحولها لعصف مأكول، لموئل من الفوضى، لتنهدات عارمة.

لهدير موجة غضوب، تارة تتلاعب بسلامهم النفسي، وتارة تداعبهم وتصافيهم وتعود بهم سالمين لشط الواقع.

فالحنين يشوش النوستالجيين بتداعي الصور وبتقاطر المفردات وتساقط المواقف فوق جمجمتهم:
تحايا الجيران الرتيبة لدى مصادفتهم على الدرج.
مطبخ المدرسة بالقبو.

شعرتين بذقن راهبة تغمر الطالبات بالقبلات الشائكة صبيحة يوم دفع المصروفات.

رائحة تبغ " كابتن بلاك " تتطاير من غليون رجل قابلوه يومًا.

ذكرى المذاق الأول للحم الغزال بمطعم بقرية "سولزباخ روزنبرج" بجنوب المانيا.

لا مبالاة مربيتهم برائحة الكلور العالقة بملابسها.

سلم المنور الحلزوني الحديد بمنازل الجدود.

شمعدان ذهبي شاهدوه بكنيس يهودي بمدينة تبليزي.

هريرة شقراء احتمت بسيارة زنجية رعبًا من تهزم الرعد.

حانة ضيقة دخلوها بالخطأ بشارع ما، أفادتهم أن معظم المواخير لها سلالم ستهوي بهم للقاع.

أول "مخنث" قابلوه في حياتهم بضواحي فلورنسا.

ليلة مطيرة تشقق فيها برق لموع بشتاء سكندري، لاذوا خلالها بمقهى "البن البرازيلي"، فنما لهم أن رائحة البن أشهى من مذاقه.

ماشية تتقوت من قاذورات مقلب قمامة.

شيخ، ضرير يتسول من الناس في المترو بصوت رخيم، رخيم، سليم المنطوق، لكنه قابل حظًا وخيمًا، فلم يوفق لعراب لموهبته الإذاعية الفاقعة.

خطين بلون قاني باختبار فحص الحمل.

نادلة نمساوية جميلة كانت تخدمهم بمطعم بفيينا، ثم تبين أنها صاحبة المطعم.

صوت الضفاضع المؤنس ليلًا بمصيف بمدينة الإسماعيلية.

وجرس نفيرالسفن بمُجَمع "مكسيم" بمحازاة الميناء.

لاشئ يفسر تشبث الفكر بتلك المشاهدات

لا شيء يفسر لماذا تبرق بدون مقدمات ثم لا تلبث أن تختفي فجأة؟
لا شيء يوضح لما تزور بلا دعوة ولما تبرح بلا اسئتذان؟

■ ■ ■

النوستالجييون ظمأى لدموع طفولة، مراتعها كانت خاوية من الرفاق وعقيمة من العناق.

إنهم مولعون بحديث عن مائدة من رحاب هياماتهم، تتيح لهم بوفيه مفتوح يثير فيهم شهية إنتقاء المفقود.

أربما تذكرهم "بعرائس اللحم" وبصوت أمهاتهم حينما كانت تناديهم صغارًا

"تعى بني، تعى.. خذ لك عروس؟"

يترك النوستالجي البوفيه ويعود لطاولته لاشئ معه سوى فنجان.

يعود، غير أسفًا من تثمينه للا شيء، مقابل طيف عروس لن يُسمح له بفك ضفائرها.
..
النوستالجييون لديهم عادة إلقاء رؤوسهم للخلف، لومضة طرقت بالهم عن ذنبهم الأول المدون بصحيفة مراهقتهم، ذاك الذي لا يريدون التكفير عنه ولا معاودته، فهو إثم نحيف، ثم أنه لن يحلو لهم معاودة ارتكابه بنفس فرحتهم الأولى بأخطاء البدايات.

للنوستالجيين أنين شجي يربك مقامهم في الأوبرا، فيخالون أنهم استمعوا لسيمفونية "رقصة جنية السكر" لتشياكفسكي بمقام الصبا الحزين، وينصتون "لمتتابعة شهرزاد" لكورساكوف، بمقام الحجاز، ثم يجلسون في ستاربوكس،فيتماهي "الجاز" بمقام الكُرد، وحتى "فور اليزا" يسمعونها معزوفة بريع تون، بمقام النهاوند.

يبدو أن نصفهم الغربي يَحُن لنصفهم الشرقي، ليتكامل عالمهم.

■ ■ ■

للنوستالجييون ملامح نوستالجية باهتة، ثم انهم يعانون من استيجماتيزم في البصيرة، فهم قوم يستبصرون المتأخر ومصابون ببطءً في البديهة، إذ يدركون الصواببُعيد فوات الحياة.

إنهم يعيشون الحياة للأمام، لكنهم يفهمونها بأثر رجعي.

النوستالجييون يندمون بلا خوف من نعتهم بالفشل،ثم أن ندمهم مقرونًا بندوب نفسية من أثار جلد الذات على فقر خبراتهم السابقة.

والمُبهر حقاً هو استعدادهم للدفع نقدًا لإعادة عجلة الزمن للوراء:

للشراء من دكاكين التحايا، أغلى وأجود أنواع "صباح خير" المخصبة بالحنان
واقتناء أفضل ماركة مسجلة من نبرة صوت ودودة من حوانيت بيع العندليب، للتعاطي بها مع صغارهم.

كما انهم على استعداد لإنتقاء اثمن، واندى "ابتسامة "من مروج البساتين ليرتدوها لأكبادهم عوضًا عن أصواتهم الخريفية القادرة على الإطاحة بأوراق النشاط والإقبال على الحياة يوم كانوا يوقظونهم ب:

"قوموا، تأخرنا، يووه.. كل يوم نفس الموال"

يتمنون لو هناك بروفات مسبقة لتجربة الأداء في الحياة قبل ممارسة العرض الأول لتنشأة صغارهم على صباحيات على شاكلة
" الحمد لله حبايبي أنه أحياكم بعد سُباتكم":

ايا حظ من صاحبوكم في المنام .. وايا بخت الدُمى التي جاورت مخادعكم

هيان لقد تهيأ الكون إستشرافًا لاستقبالكم.

هلم، فالجوري ينافس الأوركيد، والياسامين يصارع الخزامي

والتمر حنة تسابق الزنبق أيهم ينشر عبيره، ليَلقى استحسانكم.

ايا مهج القلب.. لقد انتثر الكناسون لتمهيد طرقاتكم

والعسكر يولون الأولوية لعبوركم.

والفلاحون في الحقل يجنون قمح لقيماتكم.

هلم، لقد أشرقت الشمس مستديرة كالكرة، لتذكركم بالمرح ولتنير حدائقكم.

والغيوم تسللت في السماء لتظللكم.

واواه من القوس قزح، إنه رسالة مشفرة للإستبشار بصنوف والوان أبدعها رب العالمين لمُحياكم.

هيا لقد تهيأ المدرسون لإهدائكم عصارة علمهم.

والكون كله قد تبرج لكم وبانتظاركم.

هيا .. فالطعام محضر على الطاولة، يتمنى زيارة أمعائكم.

هيا امنحونا شرف خدمتكم يا أطهار الأرض.

■ ■ ■

النوستالجيا جمرة في الذاكرة، يؤججها الرحيل ولا يخمدها رماد مراح السالي، لكن يطفئهاالشنآن.

النوستالجيا هي نزهة في مروج الذاكرة وسياحة بين مدن الذكريات.

إنها هي سطوة الماضي المستحيل على عجرفة الحاضرالممكن.

إنها مادة تحصين نحقن بها واقعنا، لوقاية جزء مختار لأثارنا من الطمس.

النوستالجيا هي إصدر قرار بإسقاط حكم الإعدام من قانون الذكريات.

النوستالجييون يُخَّلِدون الذِكريات، تُراهم يَخْلُدُون؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة