لوجه الله
كل ساعة.. بل كل دقيقة تتوالى على العالم كله الخسائر البشرية والاقتصادية والتداعيات الاجتماعية الكثيرة والخطيرة جراء انتشار فيروس"كوفيد 19" الشهير ب كرونا، وكل دولة تتصدى لمخاطر وتداعيات هذا الفيروس المدمر وفقا لامكاناتها ومدى إحساس المسئولين فيها بحجم الخطر الذى يهددها.. والحمد لله كانت مصر على المستوى الحكومى على قدر المسئولية منذ البداية وأعطت هذا الخطر القادم من خارج حدود الوطن ما يستحق من اهتمام، وأعلنت الدولة عن تخصيص 100 مليار جنيه لمواجهة تداعيات الفيروس فى مصر، وهو رقم ضخم بالنسبة لخزينة الدولة المصرية المثقلة بالأعباء.
فى كثير من دول العالم تسابق الأثرياء سواء أكانوا رجال أعمال أو لاعبى كرة قدم أو فنانين أو غيرهم لدعم قطاع الصحة والقطاع الاجتماعى فى بلادهم فقرأنا وسمعنا عن أرقام أموال ضخمة لمساعدة الحكومات على مواجهة الفيروس حتى فى دول تمتلك خزانتها العامة ما يساعدها على المواجهة بمفردها.. لكنه الشعور الإنسانى والاجتماعى والوازع الأخلاقى الذى يدفع الأثرياء الى التبرع ببعض ما أنعم الله به عليهم لمواجهة هذا البلاء الذى أكد أنه لا قيمة لمال ولا لمشروعات اقتصادية ضخمة، ولا مأمن لها من تأثير فيروس ضعيف وهزيل لكنه مدمر مثل كرونا.
***
بالتأكيد.. أثرياؤنا – وهم كثيرون والحمد لله وترصد ثرواتهم وحجم مشروعاتهم كل عام كيانات ومطبوعات دولية- لديهم الإحساس الذى حرك الأثرياء فى العالم كله لتقديم بعض أموالهم للمساعدة فى ملاحقة تداعيات هذا الوباء، ونحن ننتظر منهم الكثير والكثير.. لا لدعم الأسر الأكثر احتياجا كما فعل بعض لاعبى الكره والفنانين فحسب.. لكن الى جانب ذلك دعم القطاع الصحى للدولة وهو قطاع يستنزف كل يوم مبالغ طائلة ليس لمواجهة فيروس كرونا وحده.. ولكن لمواجهة أمراض كثيرة منتشرة وتحتاج الى إمكانات بشرية وطبية ومعدات جديدة وأدوية مكلفة يتم استيراد كثير منها من الخارج لمواجهة أمراض خطيرة أبرزها الأورام.
فى المحن الكبرى التى تتعرض لها الشعوب – وأبرزها فى العصر الحديث- محنة كرونا يدرك الأثرياء العقلاء فى العالم أنه لا قيمة لما يمتلكون من أموال إذا لم يعيشوا فى مجتمعات مستقرة صحيا واجتماعيا تسمح باستثمار أموالهم والاستمتاع بها وتعظيم العائد الاقتصادى والاجتماعى منها.. بل يفقد بعضهم الشعور بقيمة ما لديهم من أموال فنراهم يتسابقون فى التبرع بمعظمها أو ببعضها بنفوس راضية وواعية بأن كثرة الأموال لن تحقق السعادة لأصحابها إذا ما عاشوا وسط شعوب تعانى المرض والجوع .. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة ولا يتسع المقام هنا لسردها.
***
الخلاصة: أمام "تسونامى كرونا" الذى يحرق الأخضر واليابس وتتعدد ضحاياه هنا وهناك ونالنا فى مصر منها ما قدره الله لنا.. فإننا نتطلع الى دور أكبر ومساهمة أضخم من أثرياء هذا الوطن، فقد نعم هؤلاء بخيرات مصر ولا داعى لتذكيرهم بما قدمته الدولة لهم وما حصده بعضهم من مكاسب طائلة بفعل اقبال محدودى الدخل على منتجاتهم وتكبير مشروعاتهم.
نتطلع أن يكون لأثرياء مصر الكرماء ما يؤكد حبهم لوطنهم وشعورهم بحاجاته الملحة والضرورية فيتسابقون الى دعم قطاع الصحة ببناء أو تطوير مستشفيات وشراء معدات طبية ورصد مبالغ كافية لشراء المستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة الأمراض الخطيرة.. وقد كشفت أزمة كرونا انشغال رجال أعمالنا بالمشروعات الترفيهية وانصرافهم عن المشروعات التى تنتج احتياجاتنا من المستلزمات الطبية البسيطة من الكمامات والجوانتيات وأدوات التعقيم وغيرها.
نتطلع الى مساهمة أكبر من رجال أعمالنا فى كفالة الفقراء والقيام بواجبهم الإنسانى والاجتماعى تجاه الأسر الأكثر احتياجا من خلال مشروعات دائمة ومنظمة توفر لهم مقومات الحياة الكريمة فى كل وقت.. وليس وقت الأزمات فقط.
ينبغى أن يدرك أثرياء مصر أن دعم ورعاية الفقراء في كل دول العالم لا تقوم بها الحكومات وحدها.. فهذه ليست مسئولية الدولة بمفردها حتى ولو كانت خزانتها العامة تسمح بذلك، بل واجب الأثرياء تحمل نصيب كبير فى ذلك.. وإذا كانت الدولة المصرية تقدم مساعدات كبيرة للأسر الأولى بالرعاية فيجب أن يضم أثرياؤنا جهودهم الى جهود الدولة لتوفير حياة كريمة لهؤلاء.
ما نتطلع إليه خلال المرحلة المقبلة والتى ستتضاعف فيها تداعيات انتشار فيروس كرونا فى كل دول العالم أن يقوم أثريائنا- وهم كثر والحمد لله- بواجبهم الانسانى والاجتماعى والأخلاقى وأن يدخلوا سباقا محموما لتلبية باقى احتياجات الأسر الأولى بالرعاية، فهذا الواجب الإنسانى تفرضه عليهم تعاليم دينهم، كما تفرضه المسئولية الاجتماعية تجاه الوطن وأبنائه، وقد أكد كبار العلماء ورجال الفتوى أن رعاية المحتاج وكفالته والمساهمة فى توفير احتياجاته الضرورية أفضل عند الله من إقامة مسجد تقام فيه الصلوات، ولذلك بحت أصوات العلماء وكبار دعاة الإسلام تناشد الأثرياء والقادرين ماديا ترتيب أولوياتهم والقيام بواجباتهم فى توفير حياة كريمة للاسر الأولى بالرعاية.. ومع ذلك ما زلنا نرى فتورا فى تعامل بعض الأثرياء الذين أنعم الله عليهم بالخير الكثير والرزق الوفير مع هذا الواجب الدينى والإنسانى.
**
أثرياؤنا الكرماء.. لا نريد منكم تقليد الأثرياء فى الغرب والشرق الذين يتسابقون منذ بداية كابوس كرونا فى تقديم العون لبلادهم لمواجهة الوباء وتداعياته.. لكن نريد منكم أن تتذكروا أن ما نحثكم عليه ونذكركم به هو فرض دينى وواجب إنسانى ووطنى لا يجوز التخلى عنه ما دمتم قادرين على ذلك.. كما نريد منكم أن تترفعوا عن استغلال العمل الخيرى والإنسانى فى الدعاية لأشخاصكم أو شركاتكم أو مؤسساتكم، بل نتمنى أن تحتسبوا ما تقدمون من مساعدات عند الله، وأن يكون عطاؤكم بدوافع دينية وإنسانية ووطنية، ولا يتم توظيفه لتحقيق دعايات من أى نوع.
اعلموا أن العطاء الخيرى الذى يجزل الله عليه الأجر والثواب ينبغى أن يكون خالصا لوجه الله، وأن يكون بدوافع ذاتيه من صاحبه، وألا يستغل فى دعاية سياسية أو اقتصادية لمشروعات، وألا ينتظر صاحبه من ورائه سوى عفو الله ورحمته وتطهير أمواله وتزكية نفسه مصداقا لقول الحق سبحانه:"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".. صدق الله العظيم