إلى الأمام
مع اقتراب ملك الموت من اي من علمائنا الكباراتذكر على الفور المقولة الخالدة للامام والعلامة الداعية والمفكر الاسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي رحمه الله "ان علماء الدين واللغة يرحلون عن الدنيا دون عوض ظاهر" وهذه حقيقة لا تخطئوها عين مراقب.. ففي الايام الاخيرة خطف الموت علماء افذاذ في ساحة الفكر يشار اليهم بالبنان على مستوى العالم الاسلامي..
ففي خلال اقل من شهر رحل عن دنيانا اثنان من الكبار والعلامات البارزة في هيئة كبار العلماء ممن كان لهم صوت ورؤية ومكان ومكانة ملأوا الدنيا علما وادبا واشعلوا مصابيح النور والهداية في كل ساحات الدعوة شرقا وغربا..الاستاذ الدكتور محمد عمارة والاستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق زير الاوقاف الاسبق رحمهم الله ورضي عنهم اجمعين.
يعد الدكتور زقزوق واحدا من اصحاب البصمات المميزة في تاريخ وزارة الاوقاف وفي مسيرة الدعوة وصناعة الفكر الاسلامي ليس فقط لانه استمر على كرسي الوزارة لمدة تزيد على الخمسة عشر عاما ولكن لما يحمله من فكر ورؤية استطاع ان يخترق بها عوالم صعبة كانت تموج بها ساحة الدعوة وان يساهم في فض اشتباكات فكرية وصدامات مع شباب متحمسين للدعوة وقوى خارج اطار السيطرة في التلاعب بالدين والعبث في تفسيرات توجهاته وتزييف مقاصد الشريعية فضلا عن الجهل بها.
الى جانب قوى اخرى على الساحة الدولية تتلاعب بالحوار بين اصحاب الاديان وتتخذ منه هي الاخرى مداخل للطعن والهجوم على الاسلام..فكان لها بالمرصاد بما يمتلكه من علم ولغات اجنبية وقدرة على التواصل والحوار وتقديم الحجج والبراهين العقلية والمنطقية.
لذلك لا يمكن ان ندرك حقيقة ما قدمه د. زقزوق للدعوة الا اذا عرفنا طبيعة وحقائق المناخ الذي جاء به وفيه وزيرا في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي..فقد جاء بعد وزير سياسي بالدرجة الاولى الدكتور محمد على محجوب وصاحب نشاط وحركة لم تكن معهودة في وزارة الاوقاف نجح في استعادة وترسيخ الكثير من القواعد والحقوق المهضومة للعاملين في الدعوة من ابناء الاوقاف وكانت فترته فترة رغد ورخاء للائمة والدعاة ويشهد له بها الكثير من العاملين حتى الان..الى جانب هذا كان هناك الكثير من موجات المد والجزر في المواجهة مع الجماعات الاسلامية بمختلف اشكالها وكان الصدام حادا ودمويا وكان استهداف الكبار بلا حدود والحرب الفكرية وعلى الدعوة والدعاة بلا حدود ومشايخ الازهر والاوقاف تحديدا بلا هوادة..
الى جانب هذا لم تكن حالة الوفاق بين اطراف المؤسسة الدينية على ما يرام كان هناك جفاء او ربما قطيعة واضحة بين الازهر المشيخة والوزارة.هناك حالة من الاستقطاب السياسي ايضا الى جانب اختلاف في منهج وطريقة المقاومة والتاييد والموالاة والمعارضة لبعض السياسات والتوجهات الحكومية والثقافية والاعلامية التى لم يكن الازهر راض عنها تماما.
في تلك الاثناء كانت افكار المراجعات وتوبة الجماعات المسلحة وقياداتها تاخذ طريقا جديا الى العلن بعد انهار من الدم راح خلالها ضحايا من الابرياء والمسئولين والمتطرفين والارهابيين بالمئات وقد قدرها بعض الخبراء من دارسي تلك الجماعات ب:إنه في الفترة ما بين عامي 1991 و1997 قتل ما إجماليه 1368 شخصا في المواجهات الدامية بين الجماعات والنظام بينهم 93 سائحا و368 رجل شرطة و508 من أعضاء الجماعات و299 من المدنيين الابرياء.
بعد هذه الفورة المزعجة والمؤلمة والتوجه نحو التهدئة للساحة الملتهبة كان لابد من حكيم وخبير وفيلسوف ايضا للتعامل مع الواقع الجديد والتوجهات المرغوبة فكان د. زقزوق وزيرا للاوقاف.
ومرة اخرى تطرح تجربة زقزوق بجدية فكرة الاستعانة بالفلاسفة في ادارة الشئون العامة وخاصة ما يتعلق بشئون الفكر عموما والدعوة الاسلامية على وجه الخصوص وامامنا نموذج الان في رئاسة جامعة القاهرة د.محمد عثمان الخشت المفكر والفيلسوف الشهير على الساحة الان..
واحسب ان د.زقزوق كان موفقا للغاية بما يمتلكه من قدرات فكرية علمية وعملية وامكانية ادارة الحوار والتعامل مع الاخر فكريا سواء كان الاخر داخل البلاد او خارجها او من المختلف عقديا محبا كان او كارها او حتى متنطعا متفذلكا وهؤلاء ما اكثرهم واغباهم ايضا.
وقد عزز من نجاحه استعادة حالة الهدوء والوئام مع مشيخة الازهر واظهر تناغما جليا واحتراما كبيرا مع فضيلة الامام الاكبر الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله استعاد بها الرجل قدرا من الرضا وتمكن من التقاط انفاس كان يتطلع اليها.
الصفات الخلقية الرائعة والهدوء والصبر ونظافة اليد واخلاص الضمير والمواجهة الحاسمة مع الطامعين في الاوقاف والمتنافسين على استحلال اموالها ايا ما كانوا مما القى بظلال طيبة على حركة الوزير وان لم يخل الامر من منغصات ومحاولات للتنغيص والتشوية الا انها كلها باءت بالفشل..
واذكر ان د.زقزوق كان يتميز بقدر كبير من التواضع والرقي ودماثة الاخلاق قبل ان يكون وزيرا ولم يتغير حتى بعد ان تولى الوزارة ..لا زلت اذكر انه عندما كنا نحضر المؤتمرات الاسلامية والندوات في الثمانينيات ولم تكن عندي سيارة وكان معه رفيق دربه العالم والفيلسوف د.محمد ابراهيم الفيومي وكان يصر على ان يقوم بتوصيلي حتى باب المنزل ويطلب من الدكتور الفيومي انتظاري ويرفض ان نوصله هو اولا باعتباره الاول في الطريق بالقرب من الحديقة الدولية ويظل في السيارة حتى توصيلي الى المشروع السويسري ويرجع مع د.الفيومي حتى لا يعود بمفرده..انها اخلاق وتواضع العلماء الكبار..
واذكر انني التقيته في حفل استقبال بعد فترة انقطاع طويلة لسنوات سافرت فيها للعمل في الخارج وذهبت للسلام عليه فقلت اذكره بنفسي انا فلان .. فرد علي ردا اخجلنى بتواضع العالم قال بالحرف طبعا انا من قرائك..واخذ بيدي وكان يجلس معه الدكتور محمد عبده يماني وعدد من الضيوف العرب وقام وعرفني عليهم بكل ود وتقدير..
هذا الخلق الرفيع والتواضع الجم ظل ملازما له وملتزما به في كل لقاءاته العامة والخاصة سواء في مجمع البحوث العلمية او حتى في اجتماع الزملاء في مجلة منبر الاسلام حيث كان يرأس مجلس تحريرها وهو ما سجلوه في شهادتهم الحية على علاقاتهم مع العالم الجليل رحمه الله.
** في ختام بحث اعده د.زقزوق منتصف الثمانينات عن واقع الامة وافاق مستقبلها قال:ان الواقع الذي تعيشه الامة واقع مؤلم ..واقع يسير في اتجاه مضاد لكل مثاليات وحدة الامة فالنزاعات بين ابنائها اكثر منها في اي مكان اخر في العالم ومؤسسات العمل المشترك في العالم الاسلامي ليست اكثر من واجهة تحمل شعارات طنانة لا تعني شيئا وامور المسلمين المصيرية يقررها غيرهم....
رغم كل السحب الكثيفة التى تغطي سماء الامة فنحن لسنا يائسين فانه لا يياس من روح الله الا القوم الكافرون.
والله المستعان..