كان المكان الوحيد الذى آنس به فى غربتى بأمريكا ..فيه التقى بالطيبين .. كثير منهم لا أعرفهم ولا يعرفوننى ولا ارى منهم سوى ابتسامة وسلام .
قمة الألم ان تجد المسجد الذى كان يضج بالمصلين خاليا منهم بعد قرار إلغاء الصلاة.. وايام وصدر قرار بإغلاقه فى مشهد يحبس الانفاس.. ساحته التى كانت لا تجد فيها موطيء قدم ..خاويا نئن اليه بالحنين لم اعد اسمع صوت المؤذن و ترتيل الآيات فيرتعد جسدى حتى اطرافى .
-اعلم ان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح انما شطر الحزن قلوبنا .. هذا البيت الذى ألجأ إليه حينما يفيض بى الكيل وتغلبنى دموعى فى سجودى إليه اشكو غربتى وكثيرا حيرتى.. لألتفت حولى.. اجدهم من كل بقاع الارض يوم الجمعة يوم الفرح .. أفرح بجمعهم ولغاتهم والكل ينصت للصلاة.. شعور يأخذنى وكأننى فى الحرم ، حرم يجمعنا.. مسلمين من كل العالم وفى صوت واحد بلغة واحدة ..نقول آمين .
ولى مع الجمعة حكايات -
- اول درس تعلمته ..يوم التقيت بأمريكية مسلمة تتجاوز الستين من عمرها اقتربت منى وقالت ..سمعت صوتك ترتلين مع سيدة اندونيسية ..اجبتها نعم فقط حاولت ان اساعدها فى قراءة القرآن رغم انها تجيد أحكامه ببراعة ..وفجأة بكت وقالت هل سيغفر الله لي؟ لانى لا استطيع حفظ القرآن؟ أجبتها ..أنا من على ان أبكى وغيرى ممن يجيدون العربية ولا يحرصون مثلك على حفظه ..أنتِ أفضل منى.. انتِ اخترتِ الاسلام وانا ولدت مسلمة فقدرك عند الله اعظم .
هذه السيدة القاها كل جمعة تحرص على سماع الخطبة للامام سهيل وآه لو تعلمون .
-خطبة كل جمعة تسكن القلوب وتنير العقول هى السند لهؤلاء وغيرهم من الذين خرجوا من ديارهم تركوا أهلهم ومالهم وحالهم يبتغون فضل الله ورضوانه ..سند لمن يحتارون فى أمور دنياهم يعيشون وسط إناس لا يعرفونهم لا يرجون سوى تربية ابنائهم والتمسك بالدين.
كل خطبة يخاطب الإمام مشكلة ويشعر كل فرد انه يحادثه بعينه ..ويشدد بأذرهم ويعلمهم شئون دينهم ودنياهم بفكر وعقل وحكمة ببراعة الفقيه الورع. اتعلمون من يمرض او يرزق بمولود او يتوفى احد من اهله يدعو له الامام بالاسم فندعو له جميعا معه كأن الجميع اسرة واحدة .
-وكل مساء جمعة حلقة للفقه والعبادات .. ومتطوعات لهن ارواح من الجنة تتلمذن على ايدى فقهاء وعلماء فى بلادهم تجتمع بالنساء فى دروس مستمرة .. المسجد جزء من مركز اسلامى له نشاطات ومتطوعون ومتطوعات تجمع المسلمين.. الكل يشعر انه بيته الاول ..هل علمتم لماذا يشطر الحزن قلوبنا !!!.
وفى رمضان كل يوم فيه هو (عيد) صلاة وتراويح وتسابيح جماعية اما الافطار يذوب فيه القادر وغير القادر فى صالة كبيرة كل يوم تجمع كل من يطرق الباب الكل مدعو، الكل مرحب به والكل فى خدمة الكل افارقة ، عرب ،امريكان ،اسيويين وغيرهم كل الجنسيات تحت جمع واحد -مسلمون ..تحركهم انسانيتهم.
نور..
نور ..هى نور القلب ..التمس بها الطمأنية فى حياتى.
أطفال لا يتعدى أعمارهم الخمس السنوات يحفظون من القرآن نصفه ويجودونه بطلاقة رغم ان لغتهم ليست العربية .. فتح الله قلوبهم وعقولهم للنطق بآياته .
نور فيها أعمار متفاوته وشباب يدرسون علوم الدين وآباء يأملون فى نور ان يتعلم ويفهم اولادهم صحيح دينهم وسط المجتمع الامريكى ..نور هى نور أكاديمى تتبع للمركز الاسلامى بنى بتبرعات من الجالية المسلمة فى مدينة لانسنج تسعى بطلابها ان تعلمهم أصول دينهم وان يحيوا على سنة نبيهم ..كيف يعيشون حياة متوازنة ومنتجة كمسلمين وما أصعبها من مهمة .فريق العمل بها وهبوا ساعات اجازتهم الاسبوعية السبت لنور اكاديمى يدرسون القرآن واحكامه والتفسير والدراسات الاسلامية .. من يديرونها لا يكفى سطور لوصفهم وحبهم لما يفعلونه ..ترى وتتيقن معهم ان الخير فى الدنيا باق..صدقت يارسول الله الخير فى امتى إلى يوم الدين .
صباح كل سبت يقف الامام سهيل يستقبل الطلاب بابتسامة لم اراه يوما عابث الوجه امام احد ..فى يوم الثلوج غطت الطرق فتأخرت عن موعد محاضرتى فوجدته واقفا مبتسما خلوقا كعادته مع كل من حوله ..اعتذرت له فأجابنى لا تعتذرى ..انا من على شكرك لحضورك !
-نور يوم انضممت لها ادركت انها لى هدية العمر الجديد ..عرفت وقتها ان اروع الحكايات لم اكتبها بعد لانى لم احك عن طلابى .. َدرِست فى مصر لسنوات وأجريت مئات الحوارات مع شخصيات مهمة سافرت حول العالم حتى حط بى الرحال فى امريكا .
ولكن ما قضيته من اشهر قليلة مع طلاب الاكاديمية هو امتع ما حصلت عليه فى حياتى وأروع حكاياتى ،هم من باكستان واندونيسيا وبنجلاديش والهند والصومال ..عديدة هى أصولهم اعشق تفاصيلهم وثقافاتهم وتمسكهم بحسن الخلق لم يأتوا للمكان إلا تقربا لله .
واليوم تتعاظم آلامى فنور أغلقت ابوابها تحصنا للطلاب من تفشى الفيروس الذى اطاح بقلوبنا قبل ان يطيح بأعمارنا.لن ارى هؤلاء لاسابيع لا أعلم ستطول ام تقصر ما اعلمه ان كان لى نعمة ان اعرفهم وأفتقد وجوههم وحكاياتهم ومناقشاتهم ..ووو. افتقد نفسى معهم ..هذا المكان الذى حلمت ان يتسع ليستوعب الآلاف فأعده للباحثين عن نورك .
يارب انه بيت من بيوتك فى ارض من أرضك تجمع عبادك .
يارب إن مت سيبقى هذا البيت لأجيال ستنجو بإذنك يرفعون اسمك و يقيمون صلاتك ويذكرون كتابك ويعرفون به دينك فاحمه واحمهم بفضلك.. وبحق هذه القلوب التى فجعت بحرمانها ان تعد البيت لهم يارب البيت .