تزايدت التعقيدات بشأن سد النهضة إثر موقف أثيوبيا الأخير بغيابها عن حضور الجولة الأخيرة من مفاوضات سد النهضة في العاصمة الأمريكية واشنطن، ورفضها توقيع الاتفاق النهائي برغم من توقيع مصر على اتفاق المبادئ التوجيهية وقواعد التشغيل السنوي للسد، وهو ما رفضته أديس أبابا، التي أعربت عن خيبة أملها من موقف أميركا وجهودها لحل النزاع المستمر منذ مدة طويلة بشأن هذا المشروع.
غياب أثيوبيا عن المفاوضات فجّر تساؤلات عدة فسرها البعض بأن أثيوبيا لا ترغب في التوقيع على الاتفاق النهائي الذي ترعاه الولايات المتحدة والبنك الدولي، وتريد فرض سياسة الأمر الواقع بعد اكتمال تشييد السد وملئه وفقاً لاستراتيجيتها المائية من دون النظر إلى شركائها الآخرين، وهو ما اعتبره مختصون في مجالي المياه والقانون انتهاكاً لإعلان المبادئ المتفق عليه، فضلاً عن أنه يكشف عن سوء نواياها في التعاطي مع هذا الملف، مؤكدين أن من حق مصر والسودان اللجوء إلى مجلس الأمن لحسم هذه القضية لما تمثله من تهديد للأمن والسلم العالميين.
خاصة أن تغيبها يعتبر انتهاكاً، لما جاء في البند الخامس من إعلان المبادئ الذي يلزم أثيوبيا بأن يكون استمرار تشييد السد بالتوازي مع استمرار المفاوضات. بالإضافة إلى المطالبة بأن يكون التفاوض على أساس المبادئ الـ 15 الواردة في المادة الثالثة من اتفاقية "عنتيبي"، والتي وافقت عليها جميع دول حوض النيل بما فيها أثيوبيا بشهادة 13 جهة دولية بما فيها أميركا والبنك الدولي والأمم المتحدة.
وقبل ساعات أعلنت اثيوبيا في بيان عاجل ان الولايات المتحدة تنحاز الى مصر ، وهذا البيان يمكن ان يعيد الأمور الى المربع رقم صفر الذى تسعى اديس ابابا الى العودة اليه بل الى عدم مغادرته ان صح التعبير.. ولكن ما قد يغيب عن صناع القرار هناك الذى يدرك الجميع حجم الضغوط والأزمات الداخلية التي يعيشها نتيجة الصراع القبلى والعرقى ، فانه حتى المربع رقم صفر قد تغيرت قواعده وآلياته ، فالموقف المصرى اكتسب بالفعل شرعية دولية ، فضلا عن ان التوقيع من جانب القاهرة قد وضع الجميع في خانه يصعب الفكاك منها الا بثمن باهظ قد تكلفه اضعاف ما قد يجنيه من 10 سدود مثل سد النهضة. بالإضافة الى ذلك فانه حتى لو تخيل الطرف الاخر انه يمكنه ان يواصل عمليات بناء السد إلى جانب بدء عملية ملء البحيرة، باعتبار أن استكمالها أعمال بناء السد يتوافق مع التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ مع القاهرة والخرطوم. فان القاهرة قد حسمت تلك النقطة عندما اكدت انه لن يكون هناك ملء للسد دون اتفاق وهى بذلك تريد ان تعلن صراحة ان الحديث في تلك النقطة انتهى عند هذا الحد حتى تقطع على الطرف الاخر اى أوهام او أحلام بانه سيعود الى طاولة المفاوضات بعد اكتمال بناء السد، ولكن يغيب أيضا عن الجانب الاثيوبي ان مصر يمكنها ان تنقل القضية برمتها الى مجلس الامن الدولى، وقبلها فان القاهرة ليست مغلولة اليد في التعامل المباشر مع دولة قد تصبح في القريب العاجل مارقة وهى تدرك ان المياة قضية حياه وليست تنمية.
لا شك ان الموقف المصرى اتسم خلال مراحل التفاوض في السنوات الخمس الماضية، التي لم تؤت ثمارها، بحسن النية وتوفرت الإرادة السياسية الصادقة في التوصل إلى اتفاق يلبي مصالح الدول الثلاث، الا ان الجانب الاثيوبي مازال يراوغ بل انه كشف عن سوء نية ربما تكلفه الكثير اذا لم يلتزم ويوقع قبل فوات الأوان.
---------------------------
استاذ بجامعة حلوان - استشارى دولى