هذه الدنيا
فى السابع عشر من شهر فبراير تمضى أربعة أعوام على رحيل الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، صاحب التجربة الصحفية الأكثر امتدادًا وإثارة للجدل والاهتمام فى تاريخ الصحافة المصرية، حتى لا نبالغ إن قلنا إن هيكل كان يمثل مرحلة فاصلة يؤرخ من خلالها للصحافة المصرية فى مرحلة ما قبل هيكل وما بعده.
عرفت الكاتب الكبير واقتربت منه لأول مرة عام 1996 وكنا نشارك فى تشييع جنازة الأستاذ الكبير أحمد بهاء الدين بمسجد عمر مكرم، كان التأثر باديًا على وجه الأستاذ هيكل وفى نبرة حديثه، وقال لنا: إنه لم يفتقد لرأى أحد خلال الفترة الماضية كما افتقد لرأى الأستاذ بهاء الدين خلال فترة مرضه.
وفى عام 1998 ألقى الأستاذ هيكل محاضرته الشهيرة فى الجامعة الأمريكية، والتى أثارت عليه عواصف عاتية من النقد وتحدث فيها عن مبارك وحكمه، واصفًا السلطة بأنها شاخت فوق مقاعدها، وهو مصطلح "هيكلى" فى الأساس استخدمه بعد ذلك بسنوات الأستاذ عادل حمودة فى خلافه مع الأستاذ هيكل حين أصدر كتابه: "خريف هيكل.. أسطورة شاخت فى موقعها".. ولم يكن عادل حمودة لم يكن أول من استخدم تعبير "خريف هيكل" .. إذ سبق أن صدر كتاب يحمل نفس الإسم "خريف هيكل" عام 1994 أو 1995 ومؤلفه هو الزميل إبراهيم الويشى الصحفى بدار التعاون، وقد أهدانى نسخة منه وقت صدوره، وأتبع فيه نفس المنهج الذى لجأ إليه الأستاذ هيكل فى بحثه عن الجذور العائلية للرئيس أنور السادات فى كتابه الأشهر والأهم "خريف الغضب".. استخدم الويشى نفس المنهج وأخذ يغوص فى مسائل شخصية وعائلية تخص أسرة الأستاذ هيكل فى قرية باسوس بمحافظة القليوبية، وبدايات عمله فى الصحافة وخلافه مع السيدة فاطمة اليوسف وخروجه من روز اليوسف وغيرها من المسائل الخاصة.
كانت محاضرة الأستاذ هيكل فى الجامعة الأمريكية سببًا فى فرض "حصار" إعلامى شديد على الرجل، وضع قيودًا كبيرة على أى صحفى يعمل فى مؤسسة صحفية قومية يرغب فى التواصل معه، كان ممنوعًا الإشارة إلى أى نشاط تنظمه "مؤسسة هيكل" فى لوحات الإعلانات داخل المؤسسات، وكان يقتصر الإعلان عنها فى نقابة الصحفيين.
وسط هذا الجو المشحون نظمت "مؤسسة هيكل" دورة مكثفة بالجامعة الأمريكية حول "محددات السياسة الخارجية الأمريكية فى الشرق الأوسط"، وكان المحاضر الأساسى فيها هو الدكتور ستيفين والت أستاذ العلوم السياسية بجامعة "هارفارد" الأمريكية.. كنت الصحفى الوحيد تقريبًا من مؤسسة قومية الذى يشارك فى هذه الدورة، وشعرت أننى كمن يغرد خارج السرب، وهو ما شعر به الأستاذ هيكل عندما علم بوجودى بعد الجلسة الإفتتاحية وأحاطنى بقدر هائل من الرعاية والاهتمام طيلة أيام الدورة.. (ولعل هذا يكون محور حديث آخر لن تتسع له هذه السطور)
فى هذا اليوم تحدث الضيف الأمريكى باسهاب شديد عن دور جماعات الضغط اليهودية فى التأثير على صناعة القرار بالولايات المتحدة، وخص بالحديث منظمة "الايباك" شارحا دورها فى انتخابات رؤساء أمريكا وخاض فى تفاصيل دقيقة، غير أن ما قاله الأستاذ هيكل حول دفة الإهتمام لدرجة جعلتنا ننسى وجود الضيف الأمريكى، وساد جدل شديد وتبارى المشاركون فى طرح تساؤلاتهم بشغف.
وأذكر أن الأستاذ هيكل غضب من طريقة إدارة الحوار، وقاطعنا قائلاً: أنا مش عاوز الموضوع ياخذ شكل المؤتمر الصحفى، إحنا عاوزين نتعامل مع القضية بعمق، والمسألة مش مجرد سؤال وجواب.
ثم تحدث الأستاذ هيكل وانتقد سياسات أمريكا ومواقف العرب على حد سواء، فأوضح ان هناك قاعدة بديهية وعلمية تؤكد أن سياسات الدول تسير وراء مصالحها، لكن سياسات الولايات المتحدة تمضى باصرار على طريق الصدام مع هذه القاعدة، بمعنى أن مصالح الولايات المتحدة الكبرى والحيوية فى هذه المنطقة عند العرب يقيناً، لكن هوى السياسات الأمريكية منجذب نحو إسرائيل دوماً، وأوضح هيكل أن هذا الانحياز الجارف نحو إسرائيل تسبب فى إساءات بالغة للعلاقات العربية الأمريكية.
ثم انتقد الأستاذ هيكل مواقف العرب موضحاً أنهم وقفوا عرايا أمام المرايا للبحث عن العيوب والذنوب، وغاية أملهم صنع مثال لما يتصور بعضهم أن الولايات المتحدة تريد أن تراه فيهم، وأوضح أن العرب أضافوا المال إلى الجمال حين رأوا وضع معظم استثماراتهم تحت تصرف أمريكا، وعندما جاءت لحظة حقيقية، وفى ذكرى نكبة فلسطين يوم 14 من هذا الشهر (مايو 2008) اكتشف العرب أن استثماراتهم وحسابهم لدى الولايات المتحدة مدين.. مكشوف، وعليهم تسوية عجزه والسداد من الجسد الحى للأوطان.
وطرح الأستاذ سؤالا عن المستقبل العربى موضحا أن جوابه فى عهده أصحاب هذا المستقبل وحدهم..
هذا ما قاله هيكل لنا قبل 12 عامًا فى تحليله للموقف السياسى، وكم كان الرجل بارعًا فى تعبيره .. دقيقًا فى توصيفه لحالنا، إنها نفس البراعة والقدرة على "نحت المصطلحات" واختيار العناوين التى لم يجد منتقدوه أفضل ولا أكثر بلاغة منها حين استخدموها فى محاولة للنيل منه.
أربع سنوات مضت .. رحل فيها "أسطورة الصحافة المصرية" بجسده.. وبقيت كتبه وأفكاره وكتاباته وأحاديثه مصدرً للإلهام الصحفى والفكرى.. إنها معادلة الحضور رغم الغياب.. المعادلة الصعبة .. التى يمثلها الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل.
----------------------
نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية
[email protected]