هذه الدنيا
فى تاريخ الدولة السعودية الحديثة ثلاثة معالم أو محطات لا يمكن للباحث فى التاريخ العربى، والشأن السعوديى تحديداً أن يتجاوزها..
• المرحلة الأولى: يمثلها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود (15 يناير 1875 – 9 نوفمبر 1953).. وهى مرحلة التأسيس وإعادة شمل الجزيرة العربية تحت راية واحدة.. والملك عبد العزيز هو مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة وأول ملوكها، والحاكم الرابع عشر من أسرة آل سعود.
• المرحلة الثانية: ويمثلها الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود (14 أبريل 1906 – 25 مارس 1975)، وهو الملك الثالث فى تاريخ السعودية الحديثة، وأول من تولى منصب وزير خارجيتها، ويعد واحداً من أبرز وأبرع رجال السياسة الدولية.
• ثم نصل للمرحلة الثالثة: التى يمثلها حاليًا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (31 ديسمبر 1935) .. وهو زعيم عربى صاحب رصيد وطنى كبير وعرف بمواقفه المساندة لمصر فى حربى 1956 و1973.
وما بين الملوك الثلاثة يذخر التاريخ السعودى بسلسلة من القامات الكبيرة التى قامت كل منها بدورها ومسئوليتها الوطنية بكل أمانة واقتدار، ومن بينهم الملك فهد .. أول من حمل لقب خادم الحرمين الشريفين، والملك عبد الله.. عاشق مصر الأول.
وتبقى مرحلة الملك فيصل بن عبد العزيز التى تولى فيها إدارة شئون المملكة على مدى 11 عاما من 1964 حتى 1975 هى الأكثر حساسية وأهمية فى تاريخ المنطقة العربية.
ففى هذه الفترة اشتدت رياح الحرب الباردة بين القطبين الأعظم فى ذلك الوقت: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، وعلى الجانب الآخر ظهرت الدعوات متزايدة لفكرة القومية ومناهضة الاستقطاب وهو ما سبق أن تبلور فى حركة عدم الإنحياز التى تأسست فى سبتمبر 1961.. كان المسرح العالمى يموج بالتيارات المتصارعة وسط أحلام الكثير من الدول بالاستقلال واستعادة أراضيها.. وفى تلك المرحلة واجهت مصر حرب 1967، ثم خاضت ملحمة العبور 1973 والتى كان للملك فيصل بصمته المشرفة فيها..
وبالتوازى مع هذا الحراك السياسى العسكرى الذى شهدته حقبة الستينيات من القرن الماضى، ظهر كثير من المفكرين الذين أبهرتهم شخصية الملك فيصل وحنكته السياسية وحرصوا على مدج جسور التواصل معه.. ومن أبرز هؤلاء المفكر والفيلسوف الانجليزى "برتراند رسل" المولود فى مقاطعة ويلز 1882 والحائز على جائزة نوبل للآداب.
طالعت مؤخراً مجموعة من الوثائق والمراسلات المتبادلة بين الملك فيصل والمفكر الانجليزى الشهير، ونشرتها صحيفة "الرياض" السعودية نقلاً عن الدكتور فهد السمارى أمين عام دارة الملك عبد العزيز، حيث تناول رسل فى كتاباته الموجهة للملك فيصل كثيراً من الأفكار المتعلقة بالقومية والاستعمار والتطور الصناعى الحديث والشيوعية والمخاطر النووية.
كان أول اتصال بين الملك فيصل ورسل عام 1962 عندما كان ولياً للعهد، حيث طلب رسل من الأمير فيصل السماح لإثنين من سكرتاريته بزيارة الرياض ومقابلته، وهو ما رحب به الأمير، وأوضح أن هذين السكرتيرين هما ضيفاه أثناء اقامتهما فى المملكة..
وأهدى "رسل" للأمير فيصل كتابه الذى أصدره "خلاصة تاريخ العالم"، وهو ما رد عليه الأمير برسالة مؤرخة فى 19 أكتوبر 1962 يشكره فيها على هذا الكتاب.
وبعد أشهر كتب رسل إلى الملك فيصل متحدثاً عن آرائه حيال قضايا الشرق الأوسط قائلاً: أنا أكتب لك الآن لأننى منزعج جداً بسبب انطلاق سباق التسليح بين إسرائيل والعالم العربى، بما فى ذلك الصواريخ والأسلحة النووية، وأنا مقتنع أنه إذا لم تجد إسرائيل أو العالم العربى طريقاً لاتخاذ موقف حاسم لغرض إنهاء سباق التسلح فى الشرق الأوسط فإنه سيحدث صراع مروع يقود إلى تدخل قوى الحرب الباردة التى ستستغل المشكلة لمصالحها، والنتيجة ربما تكون دمارا نووياً"
وتتولى الاتصالات بين الأمير فيصل والمفكر الانجليزى الشهير، حتى يصبح فيصل ملكا للسعودية ويرد على تهنئة سبق أن بعث له بها وقال فيها: أقدر عاطفتكم الطيبة نحوى بما ضمنتموه لكتابكم الذى بعثتم به إلى. وإننا إن شاء الله لن نتأخر عن مساعدة مؤسسة برتراند رسل للسلام"
ويقرر الملك فيصل تقديم الدعم للمؤسسة التى تعمل من أجل السلام ونشر الوعى بمخاطر الحروب بين الناس والحاجة إلى العدل الاجتماعى.
هذه المراسلات واستجابة الملك فيصل لطلبات المفكر الانجليزى بدعم مؤسسته.. تكشف عن سياسة الملك فيصل الواضحة لدعم أفكار السلام ونبذ العنف.. وهو منهج أساسى من مناهج السياسة الخارجية للملكة العربية السعودية.
حرب اليمن
وهنا أجدنى مضطراً للعودة إلى الكتاب الموسوعى: "العلاقات السعودية المصرية.. عراقة الماضى – إشراقة المستقبل" حيث يذكر المؤلف ص76 : أن الملك فيصل حدد أعداء الأمة العربية فى كثير من خطبه فى المناسبات: الصهيونية والشيوعية والاستعمار.. وهى أهداف واحدة وإن كان الاستعمار قد فرق شمل الاخوة، بدأ فيصل يجدد دعوته إلى التضامن العربى، ثم يُوسع دائرة هذا التضامن إلى التضامن الاسلامى.
لقد ارتبط الملك فيصل ارتباطاً وثيقاً بقضية التحرر من الاستعمار، وحضر مؤتمر القمة العربى الذى دعا اليه جمال عبد الناصر للنظر فى مشروع نهر الأردن الذى كانت اسرائيل تزمع تحويل مجراه لصالحها، وعُقد المؤتمر فى يناير 1964 وحضره الملك فيصل، وتقرر فى هذا المؤتمر انشاء قوة عسكرية موحدة للدفاع عن الأراضى العربية ضد أى تهديد اسرائيلى، وخُصص لها 154 مليون جنيه استرلينى، وتقرر أيضاً إنشاء هيئة للاشراف على تنفيذ المشروع العربى لاستغلال مياه نهر الأردن، كما تقرر قيام منظمة التحرير الفلسطينية .
وباشرت القيادة العربية المشتركة وضع خططها الدفاعية لعرضها على مؤتمر القمة الذى عقد فى الاسكندرية فى سبتمبر 1964.
كانت هذه اللقاءات فرصة طيبة خففت من حدة التوتر بين الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر، ووحدت الكثير من وجهات النظر خاصة فيما يتعلق بموضوع اليمن، ومن الطبيعى ألا يرضى هذا التقارب الاستعمار وأعداء الأمة العربية.. قيادة عربية موحدة.. تقارب سعودى مصرى.. أمريكا تسعى لمزيد من سيطرتها السياسية والعسكرية فى المنطقة، والاتحاد السوفييتى حريص على استمرار التورط المصرى العسكرى فى اليمن حتى يخلق كوادر يمنية شيوعية، كما يخلق المجال لقيام قوة عسكرية مصرية ضاغطة على زعامة عبد الناصر السياسية، خاصة وأن الاتحاد السوفييتى يعلم أن جمال مريض (وثائق 15 مايو: موسى صبرى ص296 -297) وأن الأطباء السوفييت قدروا احتمالات حياته بعام واحد، ولذلك كانوا يضعون اعتمادهم على عبد الحكيم عامر الذى كان يؤيد الارتباط بالاتحاد السوفييتى، وعزز مكانته عندما قام رئيس الوزراء خروشوف بزيارة لمصر فى مايو 1964، وعُين السيد على صبرى رئيساً للوزارة المصرية.
لقد كان الهدف هو توريط جمال عبد الناصر فى اليمن للانقضاض على زعامته فى مصر، فصوروا له أن حماية زعامته من الحصار البريطانى فى عدن والأمريكى والسعودى هى الاحتفاظ بمواقعه العسكرية فى اليمن. لكن الملك فيصل أدرك هذه المحاولات فدعا جمال عبد الناصر إلى زيارة السعودية، وكشف ألاعيب السياسة الدولية، واستجاب عبد الناصر لهذه الدعوة، وعقد أول اجتماع فى مدينة جدة فى 22 أغسطس 1965، وتم توقيع اتفاقية جدة التى أنهت الصراع الدموى فى اليمن الذى عصف بمقدرات الأمة العربية، وهذه الاتفاقية وتلك اللقاءات كسرت حدة التوتر، وأعادت التضامن بين مصر والسعودية إلى سابق عهده.
فيصل العظيم
كنت ومازلت أكرر أن مصر والسعودية هما صمام الأمن والأمان فى المنطقة العربية بأكملها، بل فى تحقيق الأمن والسلم العالميين، فهما بحكم ما حيز لهما من تاريخ وثقل وقيمة ورمزية وتجارب سياسية تلعبان دورياً محورياً لا يقوم به غيرهما.. والمؤكد أن تاريخ العلاقات بين البلدين وما حفل به من رسائل سياسية ودبلوماسية بين القادة يذخر بالكثير من الوثائق والمكاتبات التى تبقى شاهداً حياً على أهم مراحل التاريخ ومنعطفاته فى المنطقة.
وما سبق مجرد لمحات بسيطة من مسيرة طويلة لعمل سياسى مشرف وتاريخ مجيد يمثله الملك فيصل "العظيم" الذى لا نبالغ فى وصفه حين نقول إنه كان "ملك الدبلوماسية والسياسة الخارجية العربية".. وأعتقد أن ما تم الكشف عنه من مراسلات بين الملك فيصل والكاتب البريطانى "برتراند رسل" هو مجرد قطرة صغير جدًا من "أوراق ووثائق الملك فيصل" التى تستحق أن تكون مجالاً للتحقيق والبحث العلمى الأكاديمى بالتوازى مع جهد صحفى واعلامى يتولى عرض ذلك للتوثيق لواحدة من أهم المراحل فى تاريخ السعودية والمنطقة العربية بأكملها.