رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام


النجاح الكبير الذي حققه العرض المسرحي "ولاد البلد" خاصة في اسيوط والمحافظات الاخرى يطرح الكثير من الاسئلة المهمة حول الدور الحيوى للثقافة بصفة عامة واجهزتها وادواتها ووسائلها في حركة الوعي وقضية التنوير الحقيقي في المجتمعات تنبيها وتحصينا وارتقاء بالذوق العام واشياء اخرى كثيرة لازمة وضرورية في ظل حالات التدفق غير الطبيعي للتيارات الفكرية وروافد المعرفة والثقافة وحالة السيولة غير المسبوقة بلا حدود في التهافت على الاتصال والتواصل وتلاقح الافكار حتى في ظل وجود تعارض للقيم وتضارب في التوجهات الفكرية بعيدا عن اية قيود وخارج اطار اي ضوابط علمية او قانونية..وهو الامر الذي فرضته بلا شك الحركة المتسارعة على الصعيد التكنولوجي والثورة المستمرة في وسائل التواصل الاجتماعي التى لم يعد تجدي معها كل قدرة على اللهاث في الامساك باي جديد ومحاولة اخضاعه للسيطرة القانونية او الاجتماعية او اي نوع من الفرملة او حتى ترويضه لطريقة ما للتعامل او قل ان شئت الكعبلة او الفرملة لكبح جماحها الشارد..

حركة "ولاد البلد" صوبت الكثير من السهام حول قصور الثقافة ودورها وماذا تفعل في ربوع المحروسة على مدار العام والى متى ستظل مهجورة غائبة او مغيبة عن ممارسة الفعل الحقيقي في المواقع المختلفة خاصة تلك البعيدة عن اضواء المدينة وما شابهها..ما حدث في اسيوط تحديدا يضع الكثير من قصور الثقافة في وضع حرج على الاقل ويقرع اجراسا ويطلق صافرات انذار ويدعو الى نوبة صحيان عاجلة وافاقة قبل فوات الاوان..

وحتى لا يتهمنا البعض بالمبالغة في جلد الذات لابد من الاشارة الى ان هناك نماذج متميزة لقصور الثقافة اشرت الى بعضها منذ فترة في مقدمتها قصر ثقافة اسيوط والذي حظي بفترة من الرعاية الخصيبة والتوهج ايضا بقيادة الاستاذ ضياء مكاوي المدير العام الحالي لثقافة اسيوط اذ نجح في احداث حالة من الحراك غير المسبوق على صعيد كل الانشطة الثقافية خلقت مايشبه الانتفاضة في الاقسام والفروع والاندية والمراكز الثقافية داخل اسيوط الامر الذي وجد استجابة قوية وتفاعلا غير متوقع من الجمهور المستهدف بل وجذب قواعد اخرى وقعت في فخ الاغراء والغواية الثقافية..اعتقد ان ضياء مكاوي هو صاحب فكرة ومشروع الثقافة في حضن الجبل..اي ان ينقل حركة الثقافة ويتحرك بها بعيدا الى هناك حيث الجبل الحقيقي بصلفه وقوته واوهام اساطيره.

اسعدني الحظ ان كنت شاهدا ومشاركا في لحظات الميلاد والمخاض للحركة نحو حضن الجبل منذ عامين تقريبا واخترقت مواكب قصر ثقافة اسيوط في اول حركة لها جبال البداري وبعدها جبال المعابدة وغاصت في عمق اعماق الجبل وصولا الى عتبات اقدم محكمة في التاريخ لما قبل الفراعنة محمولة على اعناق اقدم واكبر العائلات" الهمامية والعتمانية والنواصر"..ليعيش الناس ليلة بل ليال ساهرة مع نجوم الفن والثقافة وكبار الشعراء ليس في اسيوط فقط بل من كل محافظات الصعيد الجواني..وكان من حسن حظي المشاركة في اللقاء الذي اقيم في ضيافة الهمامية وال غندور وبجوار اقدم مقابر لملوك مصر القديمة بمحاضرة عن انتصار اكتوبر في الذاكرة المصرية واول شهداء وابطال النصر من محافظة اسيوط..

منذ تلك اللحظات وفيوض السعادة التى غمرت الناس رجالا ونساء شيبا وشبابا وشابات من قبل..تأكد لدي اننا امام حقبة جديدة ل "حضن الجبل" حقبة مختلفة ومغايرة تماما عن تلك الصورة التى رسمت وتم تصديرها على مدى عقود وعقود عن حضن الجبل.

ولم لا فأنوار الثقافة قادرة على تبديد كل صنوف الظلام وانارة كل دروب العتمة مهما كانت وفي اي مكان سهل منبسط او شديد الوعورة.

حضن الجبل الذي رسخ في عقل ووجدان الكثيرين من ابناء الصعيد وغيرهم هو ما حملته عناوين الدراما الشهيرة والتى حظيت بنسب مشاهدة جماهيرية عالية ليس في مصر فقط بل في العالم العربي كله..لا اتصور ان اجيالا عديدة يمكن ان تنسى مسلسل ذئاب الجبل للفنان القدير عبد الله غيث ومعه كوكبة من النجوم الاخرين عن قصة الكاتب الكبير محمد صفاء عامر واخراج الاستاذ مجدي ابو عميرة.

او المسلسل المشهور" دموع في حضن الجبل" الذي قام ببطولته النجم الكبير يوسف شعبان عن قصة هاشم القيسية واخراج اشرف سالم.

لم يخرج حضن الجبل عن كونه اشهر ساحات الصراع الدامي صراع الضواري وقتال الافاعي ومكر الذئاب وحيل والاعيب خط الصعيد وانهار دماء الثأر في الكهوف والمغارات وبطولات المواجهة مع رجال الشرطة وقوات انفاذ القانون.

الانتعاشة التى احدثها ولاد البلد اكدت على اهمية الفن وخاصة المسرح ودوره السحري في الاتصال بالجماهير وطرح القضايا الجادة ومناقشتها على خشبة المسرح وازالة الغيوم وازاحة الاكاذيب عن كثير من الحقائق التى اهيل عليها التراب مع سبق الاصرار والترصد في كثير من الاحيان.. وان الامر لا يتوقف عند مجرد لقاءات وندوات ومحاضرات وامسيات شعرية اوما شابه..تضافر كل العناصر وتكاملها مسألة في غاية الاهمية والمسألة ليست لوغاريتمات صعبة فقط امنحوا الناس فرصة ستبدع وتبدع وتتجلى وعندا يتسلطن الجمهور بوعي وعن اقتناع وبلا تزييف او تضليل من هنا او هناك.

ما جرى ويجرى يذكرنا بالقواعد القانونية والدستورية عن الحق في الثقافة ولعلها رسالة لمن يتشدقون بحقوق الانسان ويتم حصرها في جوانب محددة لاغراض باتت معروفة ومعلومة للجميع بعد ان فاحت روائحها المزعجة والمقلقة ايضا.

الحق في الثقافة والمعرفة لايقل اهمية عن اي من حقوق الانسان الاخرى ولا يمكن لكائن بشري ان يستغني عنها مهما كانت الضغوط ومهما كانت قسوة المطالب المادية الاخرى.

الحق في الحصول على المعرفة والثقافة بكل الوسائل هو كالحق في الحياة و الحق في التنميه والحق في الصحه و التعليم فكلها حقوق يكمل بعضها البعض.

بقي ان نعرف ان عرض ولاد البلد من اعمال البيت الفني للمسرح تأليف مصطفى سليم وإخراج محمد الشرقاوى.يناقش عدة قضايا من خلال لوحات فنية تتضمن تعويم الجنيه والفساد وقانون الخدمة المدنية تهجير الأقباط والهجرة غير الشرعية وبطولات جنود الجيش والشرطة على الحدود. ومن بطولة محمد زيدان ومحمد أباصيرى ووائل مصطفى وعادل يوسف ومحمد صالح ووفاء شوقى وإسراء حامد وأميرة عبد الرحمن وأبانوب شوقي وإسلام حسن، نورهان سالم وإسراء أحمد وياسر الرفاعي وإسلام الهواري وأمير عبد الحميدومحمود فتحي وأحمد مصطفى ومحمد حسن.

ان الاوان ان تتحول مراكز الثقافة من بيوت اشبح ينعق فيها البوم الى قصور حقيقية ومنارات فكرية تضيء كل الدروب.

نعم انا لقادرون.والله المستعان.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة