إلى الامام
دائما ما كان يستوقفنى التوجه نحو اعالي النيل ومصر العليا ..واشعر بارتياح ولو نفسي على الاقل ..احساس بان التطلع الى الامل واشراقة الغد مرتبط بمصر العليا الاسم والمعنى والرمز .. لم يكن الامر الذي يشغلني يتعلق بالسياحة فقط وزيارات السياح من كل الاجناس ولكن ما وراء ذلك .. التاريخ ورسائل التاريخ والتزاحم الحضاري المتواصل على مر الزمن ومراكز القيادة والتحكم في حركة الحضارات والحركة الانسانية في اسمى معانيها ..تجارة ..علم .. صراع ..حروب ..مراكز اتصال.. نقاط تمركز للقوافل .. مراكز للتعليم التطلع الى السماء والاستغراق في معاني السمو والخلود حتى ما بعد الموت .. اشياء كثيرة تلفح العقل والذاكرة وتقرع الاذهان دائما.. ان انتبهوا الى عبقرية الزمان والمكان .. ولعل هذه الصوت الوضيء والنداء الهامس هو الذي سيظل دائما يحلق في افق السماء المصرية ويستمر ازيزه في اذن كل مصري اينما حل وارتحل ..لا تنسى عبقرية الزمان ولا المكان على مر التاريخ ..
مع رحلات قطار الطلبة السنوية الى مصر العليا ..كانت مشاعر الامل تتجدد بان التفاتة ما ربما تكون صحيحة ومدركة ومستوعبة للنداء القادم من اعالى النيل ولا اقول الجنوب.. فقد بات لفظ الجنوب يلقى بظلال ثقيلة لا يحبها احد وكأن به منقصة او به اذى يجب تجنبه.. وما هذا على ما يبدو الا من كثرة التطلع الى الشمال والى الغرب رغم ما رسخ في الوعي الجمعي الصادق انه لا ياتي من الغرب الا كل كرب ..
يبدو ان الالتفاتة جاءت اكبر مع مؤتمرات للشباب ..وتحول مصر العليا في اعلى نقطة في قمة هرم الجغرافيا.. الى مركز ونقطة تحرك وتجمع ليس فقط على صعيد القطر المصري ولكن على الصعيد الافريقي والعربي والدولي ..
رياح أظنها منعشة كرياح الصبا ستحرك كوامن التاريخ وتشعل شموع مجد كاد ان يزبل او ينطفئ واقتربت جذوات نار كادان يكتمها الرماد ويخنقها تطاول الكثبان من اليمن والشمال ..
الامل ان تجدد رياح الصبا بواعث مكنونات القلب والروح وتعطي زخما حقيقيا لمركز اشعاع نلمح بريق انواره ونسمع صدى توهجهه من بعيد ..
اكثر ما يحز في النفس ويزيدها ايلاما الا يكون القابعون في اعالي النيل ..على خطوط التماس الاصلية ..وعلى موجات التردد نفسها .. مستقبلين الاشارات القادمة مصرة على الاحياء تطلب وتؤكد.. " ذرونا نقتبس من نوركم ".. اذا لم تكن محطات الاستقبال ومراكز القلب على القدر الللائق والواجب من الانتباه واليقظة.. فان الامور سيكون فيها امورا هي الى المرارات اكثر واقرب ولن يجدى معها اي من الندامات او التحسرات ..
اذن الرسالة التى يجب ان يعيها اهل اسوان والقائمين على امر اسوان قبل الضيوف واصحاب الاشارات والرؤى والمشروعات ان يرتقوا الى مستوى الامال والتطلعات القريبة والبعيدة منها على السواء .. وهي امور وقضايا متعلقة ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجد والخلود.. بالارتقاء والرفعة والسمو والمكانة بين امم العالمين .. ليست الامور مجرد عواطف او هواجس او اضغاث احلام .. فانت تقف على قواعد مجد حقيقي ..وركائز راسخة للشموخ والعظمة كان وراءها مصري عبقري صاحب علم وفن.. سخر كل شيء من اجل وطنه ووفر له مقومات الرقي والارتقاء في مختلف فنون الحياة العلمية والثقافية والفنية والسياسية والحربية وغيرها .. وكان محط انظار القوى الدولية في ذلك الزمان الغابر وكانت الامبراطوريات والممالك تسعى لخطب ود مصر واهلها وكانت مصر مطمعا ومغنما وهدفا بثرواتها بحضارتها ومكانتها.. ورغم موجات المد والجزر للقوة والضعف شأن اي قوة على الارض مما جر عليها الويلات احيانا .. ورغم ذلك احتفظت مصر بكونها ارض الحكمة وموطن الرقي الحضاري والجمال الانساني.. وكان المبدع المصري في كل مجال مطلوبا ..ويتم الاستعانة به لينقل خبرته وتجربته ويضع لمساته الانسانية على جباه حضارات العالم الاخر يزينها ويضفى عليها قدرا من الجمال والاشراق ..
لا عجب فقد اكتسبت اسوان اسمها سونو من روح وامدادات السوق ومركز التجارة العالمي في المنطقة بين اهل الشمال والجنوب والشرق والغرب ايضا وذلك بفضل عبقرية المكان التى استغلها ووظفها ذلك الانسان صاحب العقل المتمرد والوعي السعيد ..
كانت اسوان هي ارض الذهب الحقيقي وكنز الكنوز التاريخية منذ اكثر من عشرة الاف سنة .. كانت نقطة الانطلاق والاتصال مع مراكز الحضارات في الشرق مع الحجاز واليمن والهند والصين وغيرها في بلاد شرق اسيا عن طريق ميناء عيذاب على ساحل البحر الاحمر..
كما كانت مركز تجمع الجيوش في عصور الملوك الوسطى لمحاولتهم مد حكمهم جنوباً. كما لعبت دوراً حاسماً في محاربة الهكسوس. كما حازت جزيرة فيلة «موطن الإله «إيزيس» على اهتمام البطالمة فقاموا بإكمال معبدها الكبير. كما قام الرومان بإقامة المعابد على الطراز الفرعوني للتقرب من المصريين. ومن أمثلة هذه المعابد معبد صغير في جزيرة فيلة أقامه الإمبراطور تراجان.
وعندما أصبحت المسيحية الدين الرسمي للبلاد في القرن الخامس الميلادي تحولت معظم معابد الفراعنة إلى كنائس فكانت جزيرة فيلة مركزاً لأحد الأسقفيات مما أدى إلى انتشار المسيحية جنوباً تجاه بلاد النوبة في مصر والسودان.
وعندما جاء الاسلام واعتنق ملك النوبة الاسلام دخلوا جميعا الدين الجديد عن بكرة ابيهم ولذلك لاتجد احدا نوبيا غير مسلم ..
ومنذ انتشار الإسلام وظهروه عثر على العديد من الكتابات بالخط الكوفي ترجع إلى القرن الأول الهجري.
كما كانت مركزًا ثقافيًا هامًا في القرن السادس والسابع الهجري وكان بها ثلاث مدارس أقدمها مدرسة أسوان والمدرسة السيفية والمدرسة النجمية في أسوان.
كما أنشأ فيها محمد علي باشا أول مدرسة حربية في مصر عام 1837 ..
لذلك قرأت بمزيد من الاهتمام - وارجو ان يتابع الجميع في اسوان وخارجها - ما صدر من توصيات عن المؤتمرات والمنديات التى عقدت في اسوان وحضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي باهتمام اكبر ..خاصة بعد القرار الخاص باتخاذ اسوان عاصمة للشباب الافريقي ..و تحويل أسوان إلى عاصمة للاقتصاد والثقافة الإفريقية والاحتفال بمرور 200 عام على اكتشاف معبد أبو سمبل للترويج السياحى لمصر..
ايضا ما يتعلق بإنشاء الهيئـة العليـا لتنمية جنوب مصر والتي تهدف إلى الارتقاء بالخدمات العامة وتوفير فرص عمل والعناية بآثار النوبة باستثمارات تصل إلى خمسة مليارات جنيه خلال الخمس سنوات القادمة.
وإنهاء كافة المشروعات التنموية بمنطقة نصر النوبة ووادي كركر وتخصيص 320 مليون جنيه للانتهاء من تلك المشروعات .
وإطلاق مشروع قومي لإنشاء مناطق صناعية متكاملة للصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتبدأ المرحلة الأولى منه بإنشاء 200 مصنع صغير بكل محافظة من محافظــات الصعيــد.
واستمــرار العمـــل فــي توسيـــع نطــاق إجـراءات الحمايــة الاجتماعيــة مــن خلال تطوير برنامج تكافل وكرامة، ليتضمن برامج تشغيل لأبناء الأسر التي يشملها البرنامج من خلال إطلاق مشروعات كثيفة العمالة.
وزيادة الجهود الموجهة لتحسين مستوى جودة الحياة بالصعيد من خلال العمل على استمرار تكثيف الجهود في مجالات الصحة والتعليم والنقل والإسكان.
والإسراع فــي تنفيذ مشروع المثلث الذهبي قنا – سفاجا – القصير على خمسة مراحل متتالية.. والذي يهدف إلى إنشاء مناطق للصناعات التعدينية ومناطق سياحية عالمية بحيث يصبح هذا المثلث منطقة عالمية جاذبة للاستثمار.
التوصيات مهمة جدا سواء للحاضر او المستقبل ومن العار ان تظل حبرا على ورق والا فاننا نرتكب جريمة او خطيئة كبرى في حق الوطن والاجيال الحالية والقادمة في مصرنا الغالية التى يجب ان تظل وتبقى عزيزة باذن الله تعالى ..
والله المستعان ..