ما يقرب من أسبوع مر على الاعتداء التركي على دولة سوريا الشقيقة.. التوغل غير القانوني رغم انه اثار العديد من الانتقادات على المستويين الدولي والإقليمي، الا اننا في الوطن العربي لم نستطيع ان نحرك ساكنا.. حتى اجتماع الجامعة العربية الذي دعت اليه مصر بصورة عاجلة لمناقشة هذا الاعتداء الهمجي لم يصل الى نتائج ملموسة يمكن ان تشعر الطرف المعتدى بان هناك خطب ما في انتظارها نتيجة هذا الاجتماع..
وليس أخطر من الغزو التركي لشرق الفرات سوى التراجع الأمريكي. وما يزيد في خطرهما معاً هو خطر التغيير الديموغرافي الذي بدأت تركيا التحضير له في الشمال السوري، والتغيير الديموغرافي الآخر الذي تعمل له إيران في سوريا والعراق. ولعبة قلب الحقائق لا تتغير... وهذه ازمة لا اريد التحدث فيها لان هناك من هم أجدر منى على ذلك.
ولكن ما اريد ان افهمه واعرفه واعتقد ان الكثيرين لا يعرفونه أيضا هو ما يجرى خلف الكواليس.. ففي الوقت الذي يفتح فيه الاعلام المصري والعربي بكل اطيافه النار على الخطوة التركية، الا ان السياسة تظل مكبلة في التصدي لهذا الاردوغان.. ونفس هذا المنطق يمكن ان نطبقه على دويلة قطر التي تثبت كل يوم بل وفى كل لحظة انها أصبحت واقعيا في خانة الأعداء.. وفى كل كارثة نجد الايد القطرية ورائها، الا انه أيضا تظل السياسة عاجزة عن تفسير هذا التناقض الذي نشاهده ونتابعه يوميا على شاشات الفضائيات والسوشيال ميديا بان تلك الدويلة هي وتركيا تمارسان كل أنواع التخريب والتحريض ضد الامة العربية وضدنا هنا في مصر الا انه لا توجد أي خطوة على الأرض تفسر لنا لماذا هذا السكوت المطبق.. لماذا نفق عاجزين عن التصدي لمثل هؤلاء.. لماذا الى الان يوجد قائم بالأعمال تركي في القاهرة.. ومثله قطري..
نحن أصبحنا نعانى من انفصام واضح.. الاعلام ينقل لنا في كل لحظة الجرم الذي يرتكبه هؤلاء.. والسياسة تعجز عن الرد عن كل تلك الاعتداءات.. هناك شيء ما سقط او دائرة ما مفقودة في هذه الحلقة الجهنمية.. واعتقد ما اشعر به.. يشعر به كل مواطن مصري.. واتذكر حوار جمعني مع أحد الشباب الذي أكد انه أصبح لا يفهم أي شيء من المشهد السياسي المعقد بين مصر من جانب وتركيا وقطر من جانب.. وقال بالوصف الصريح "انا بقيت بهنج" لما اسمع حجم التآمر الذي ترتكبه قطر وتركيا ضد مصر ... في الوقت الذي تظل فيه القاهرة السياسية تتلقى الضربات دون أي رد!
بغض النظر عما إذا كانت تركيا بهجومها الأخير سوف تغوص في المستنقع السوري او ان قطر سوف يتعرض اقتصادها للدمار.. فأن الحقيقة الوحيدة التي يمكن ان نلمحها بوضح، هي حجم التناقض بين لغة الخطاب الإعلامي والتحرك السياسي على الأرض ضد هؤلاء.. صحيح ان السياسة مثل جبل الثلج في الماء ما يظهر منه اقل من حجمه الحقيقي، الا اننا مطالبون على الأقل بشرح وتفسير هذا التناقض للأجيال الجديدة التي تعتمد بنسبة ٩٠٪ من معلوماتها على وسائل التواصل الاجتماعي وهي كما هو معروف لا تغنى ولا تثمن من جوع كما انها تحمل الكثير من الكذب والخداع والآراء المجهولة التي تزيد من حيرة الجميع.. هناك رجاء أخير الأوضاع في مصر لم تعد كما كانت قبل ثورتين.. وهذ الشباب يحتاج الى امداده بالرؤية السياسية بشكل ما لتجنب سقوطه في غياهب أطراف أخرى تسعى وتجاهد ضد هذا البلد.
استاذ بجامعة حلوان -استشارى دولى