لوجه الله
مع تقديرنا للجهود التى تقوم بها المؤسسات الإسلامية فى مصر (الأزهر والافتاء ووزارة الأوقاف) لتصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة ونشر المفاهيم الصحيحة بين الناس.. يجب أن نعترف فى صراحة ووضوح بأن خطابنا الدينى لا ينشر روح الأمل والطموح فى نفوس الجماهير وخاصة الشباب حيث يسيطر على أداء بعض الدعاة وخطباء المساجد ومعهم بعض العلماء والدعاة الذين يتحدثون فى أمور الدين بالفضائيات العديد من القيم الدينية السلبية، وينشغلون فى معظم الوقت بالحديث عن الجنة والنار، ويظهرون أمام الجماهير بوجوه عابسة لا تجسد الصورة الصحيحة للداعية الذى يعرف قيمة البشاشة ويحرص على الالتزام بالتوجيه النبوى الكريم "تبسمك فى وجه أخيك صدقة".
أديت صلاة الجمعة الماضية فى مسجد يقع فى تجمع سكنى بمدينة اكتوبر، وأسهب خطيب المسجد فى الحديث عن قيمة "الزهد" فى الحياة، والزهد فى المال مؤكدا أن هذه القيمة الإسلامية ينبغى ألا تفارقنا، فهى قيمة إسلامية مرغوبة.. ومع احترامى وتقديرى لهذا الداعية وأمثاله من الذين يقتلون روح الطموح والأمل فى نفوس الجماهير وخاصة الشباب، فإن الزهد الذى هو قيمة إسلامية عظيمة لا يحمل المعنى السلبى الذى تجسد فى كلام هذا الرجل، فالزهد لا يعنى الاستسلام للواقع الذى يعيشه الإنسان، ولا يعنى الخضوع والركون وعدم السعى الجاد لتحقيق الطموحات.
لقد استشهد خطيب المسجد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا- أى جائعة خالية البطن من الطعام- وتعود بطانا" أى مليئة البطن بما رزقها الله.. ولم يشرح خطيب المسجد أو يوضح للجماهير التى تجلس أمامه أن الطير لم ترزق وهى قابعة فى مكانها.. بل سعت واجتهدت وطارت وهبطت وبذلت كل ما فى وسعها لكى تجد طعامها، وهذا هو المطلوب من كل إنسان، عليه أن يسعى ويجتهد ويأخذ بالأسباب لتحقيق طموحاته وفى النهاية يجب أن يرضى بما قسمه الله له.
****
لقد كتب الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف كلاما جميلا عن "حقيقة الزهد" يؤكد فيه أنه يرتبط في أذهان البعض بجوانب شكلية لا علاقة لها بحقيقته، وقد يتوهم بعض الناس خطأ أنه رديف الفقر، فالزاهد لدى بعضهم شخص بالضرورة قليل المال، وربما قليل الحيلة، وربما رث الثياب، ثم تطور الأمر إلى سلبية أشد بهجر العمل، وربما ترك الدراسة العلمية أو عدم الاكتراث بها، والخروج من الدنيا بالكلية إلى عالم أقرب ما يكون إلى الخيالات الخاطئة منه إلى دنيا الواقع، وذلك في تعطيل مقيت وغريب وعجيب وشاذ للأسباب، مع أن ذلك كله شيء والزهد شيء آخر."
وللأسف الخلط بين الزهد فى الدنيا والركون والاستسلام للواقع وعدم السعى لتحسين الأحوال والأخذ بالأسباب لتحقيق الطموحات ليس موجودا فى عقول عامة الناس حدهم، بل هو موجود أيضا فى عقول بعض الدعاة المكلفين بتوجيه الناس الى قيم الدين الصحيحة، ولذلك نجد أحاديث بعضهم عن الزهد تحض على السلبية والاتكالية والبطالة والكسل والتواكل والتخلف عن ركب الأمم، مع أن ديننا هو دين العمل والإنتاج والإتقان والأخذ بالأسباب.
لذلك أناشد القائمين على تأهيل وتدريب الدعاة فى الأزهر والأوقاف الى الاستعانة بأطباء النفس الى جانب كبار العلماء والدعاة القادرين على تجسيد قيم الدين الصحيحة، فالإسلام لا يعرف التواكل ولا السلبية، وهناك فارق كبير بين التوكل والتواكل.
أحاديث العلماء والدعاة للجماهير وخاصة الشباب لا ينبغى أبدا أن تؤدى الى الاستسلام للمشكلات والصعوبات التى تواجههم فى حياتهم، وعدم السعى لتغييره الى الأفضل كما يحث الدين من خلال مفاهيمه الصحيحه، ولا شك أن نشر هذه القيم السلبية فى نفوس الصغار والكبار يضر بهم كما يضر بأسرهم ومجتمعاتهم.
تعاليم ديننا تدفع الى العمل الجاد والكفاح المشرف وتحدى كل المصاعب، وهذا ما ينبغى أن يبثه علماء ودعاة الإسلام فى نفوس كل الناس متعلمين وغير متعلمين، صغارا وكبارا.. لذلك يجب على كل المؤسسات الدينية والتربوية والتعليمية والشبابية أن تواجه كل القيم السلبية فى نفوس الأجيال الجديدة وأن تمدهم بكل ما يدفعهم الى العمل والانتاج والسعى الجاد لتحقيق الآمال والتطلعات.
****
دعاة اليأس والإحباط الذين يتعاملون مع القيم الدينية تعاملا خاطئا يقتلون روح الأمل والطموح فى نفوس الصغار والكبار خاصة جيل الشباب المنوط بهم المزيد من العمل والانتاج، والانتقال بمجتمعاتهم الى آفاق التقدم، فالإسلام كما تؤكد تعاليمه وقيمه الصحيحة دين حياة ونهضة وتقدم حضارى وعمل وانتاج دائم، ويغرس فى الانسان حياة الكفاح والطموح والمنافسة الشريفة للارتقاء بواقعه وواقع المجتمع الذى يعيش فيه.
دائما نحسن الظن بدعاتنا، ونعلم أن كثيرا منهم مؤهلون لنقل المفاهيم الدينية الصحيحة ومواجهة المفاهيم الخاطئة التى يروج لها البعض، ونعلم أيضا أن "الزهد" فى حقيقته قيمة دينية وأخلاقية إيجابية لو فهمه الناس على حقيقته، وتعاملوا معه تعاملا صحيحا وفق رؤية الإسلام له، ولكن المشكلة أنه يرتبط في أذهان البعض من الدعاة بجوانب شكلية لا علاقة لها بحقيقته، كما قال وزير الأوقاف.. لذلك من المهم أن نستعين فى كليات وأكاديميات ومعاهد إعداد الدعاة بمن لديه القدرة على وضع الخطوط الفاصلة بين المفاهيم الإيجابية وما يمكن أن يتطرق الى أذهان البعض من مفاهيم سلبية عند حديثهم عن تلك القيم الدينية.
مطلوب من علمائنا ودعاتنا أن يتبنوا نشر المفاهيم الدينية التى تدفع الجماهير من مختلف الأعمار الى الإقبال على الحياة ببهجة وسعادة.. واجبهم أن يحثوا أبناءنا على الكفاح المشرف فى مختلف المجالات.. وعدم الالتفات لهؤلاء الذين يغرسون فى نفوسهم قيما سلبية سواء أكانوا من المتطرفين الذين يفرغون نفوس الشباب من الطموح ويعملون لهم غسيل مخ بقيم سلبية لا يقرها دين ولا عقل لكى يسهل لهم اصطيادهم وتجنيدهم.