إلى الأمام
لا أعرف السبب الحقيقي وراء نسيان او تناسي احد اهم دروس وأركان الهجرة النبوية المباركة ..الصدق والصداقة..رغم انها العنوان الابرز واللافتة الاهم.كثيرون يتوقفون فقط عند ذكر واقعة الغار العظيمة والتى خلدها القرآن الكريم في سورة التوبة :"إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" وذلك رغم اهمية وجمالية قضية الصداقة والصدق والصحبة والرسائل المباشرة وغير المباشرة في كون شخصية ابوبكر هوالصديق والصاحب والرفيق دون غيره من الصحابة الافذاذ وبينهم من دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ربه بان يعز به الاسلام.
اختيار الصديق لم يكن امرا عفو الخاطر بل كان ترتيبا وتوجيها ربانيا مقصودا ليدرك الناس جميعا اهمية الصدق والصداقة ليس فقط في حياة الافراد والجماعات بل في بناء الامم واقامة الدول وفي الخطط والاعمال الاستراتيجية وفي كل مناحي الحياة وفي الحركات والسكنات لأي نظام حياة يسعى نحو الاستقرار والتقدم الى الامام.
قضية مهمة وحساسة اكدت عليها احداث الهجرة النبوية منذ اللحظات الاولى ولم تنتبه اليها أعتى الديمقراطيات الحديثة او المعاصرة الا مؤخرا ورغم ذلك تتعامل معها وفقا لقواعد المصلحة فتحترمها وقتما تشاء وتطيح بها في اقل من طرفة عين حتى اذا تعارضت مع ابسط قواعد القيم والمبادئ الاخلاقية اوالشرائع المتعارف عليها انسانيا.
اذن منذ اللحظات الاولى لبناء الدولة الاسلامية ومع انطلاقة التأسيس رفعت الرسالة المحمدية اللواء واكدت اهمية الصدق والصادقين ولعل في الاجابة عن سؤال لماذا ابوبكر الصديق في الهجرة ولماذا هرع اليه الرسول صلى الله عليه وسلم فور تلقي الامر الالهي بالهجرة أيقظه وابلغه بالامر وبالخطوة الاولى نحو الهجرة؟!
ويا لها من عظمة ان تقترن مفاهيم ومعاني الصدق والصداقة والاخلاص والثقة والسرية والتكتم الشديد في التخطيط مع وضع اللبنات الاولى للمستقبل الذي تنتظره البشرية جمعاء.
الرسالة الواضحة بعيدا عن اي لبس او مراوغة لمن يخطط للمستقبل للأعمال الجليلة ان تعتمد الصدق وتصاحب الصديق وتحرص دائما على الصادقين المخلصين وتأنس بهم في كل وقت وحين..فهم السند الحقيقي وحائط الصد الاقوى بحول الله وقوته.
كان ابوبكر النموذج والمثال في الصدق والدلالة عليه والاشارة له فقد اشتهر بالصدق في الجاهلية والاسلام وكان ضامن قريش المقبول الضمان لايعد احدا الا وفى وصدق الدائن والمدين ووكلت اليه الديات والمغارم فلم يكن اي شيء منها الا واطمأن اليه الناس.. وكان كما يقول المفكر الكبير محمود عباس العقاد في عبقرية الصديق "وما امتحن صدقه بشيء الا كان صدقه أثبت وأقوى".
ويتوقف العقاد امام كثير من الملامح المهمة بالغة الدلالة وهو يتأمل عبقرية الصديق وبعض سمات شخصيته ويوضح انه كان يجمع بين العديد من المزايا..فالى جانب الحظ الوافر من المزايا الخلقية كان للصديق قسط محمود من المزايا العقلية التى يمتاز بها ذوو الاقدار من اهل زمانه..حتى قيل فيه وفي صاحبه ابو عبيدة "انهما داهيتا قريش" واثر عنه انه كان اسرع الناس الى الفطنة لما يوحي به النبي صلى الله عليه وسلم بالتلميح دون التصريح.
وكان لابي بكر حظ وافر من الملكة الروحية الى جانب ماعنده من الملكة الذهنية وتلك الملكة الخلقية ونعني بالملكة الروحية ما نسميه اليوم بيقظة الضمير..يقول العقاد.. ومناط الضمير ان يرعى الانسان حق غيره وان يحسن ولا يسيء وهي خصلة كانت ملحوظة في ابي بكر من ايام الجاهلية.ولما جاء الاسلام بنى منه على اساس قديم وبلغت به نفسه قصارى ما تبلغه نفس طيبة من رعاية حقوق الناس ومن كلف بالخيرات وسخط على الشرور..
ولم يكن عجيبا ولاغريبا ان يحظى الصديق بمكانة عالية رفيعة في المجتمع..وقد شهد بذلك الجميع ويكفي ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه:ابوبكر سيدنا وخيرنا واحبنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم..
في تفسيره لحب النبي للصديق يقول العقاد لم يكن حب النبي ابابكر حب الرجل يجزي به من يحبه ويخلص له ويوليه الجميل من ذات نفسه وماله ثم لا مزيد ولكنه كان كذلك حب الرجل من يستحق منه الحب لفضيلته وكفاءته واقتداره على معونته فيما تجرد له من عمل عظيم لا يضطلع به كل معين..وحين قدمه للإمامة من بعده لم تكن وسيلته اليها حب الاخلاص والجزاء بل كانت وسيلته اليها حب الثقة والروية وحب الدعوة التى تجرد لها وحب المسلمين الذين امنوا بتلك الدعوة..فان نبيا كمحمد صلى الله عليه وسلم لا يجعل مستقبل دينه مكافأة لصداقة انسان..وانما يكل هذا المستقبل لمن هو اهل لأمانته واقدر على صيانته..وهو من اجل ذلك اهل للحب واهل للادخار..
”لقد كان حب ابي بكر للنبي حب الايمان والاعجاب والولاء وهو الحب الذي تهون على المرء فيه نفسه وماله وذووه وينزعه من ماضيه ليستولي على حاضره كله وما هو اعز عليه من الحاضر وما فيه وهو الامل فيما يشهد والامل فيما وراء الغيب بل الامل في حياة لا تبيد."
الارتباط بين الصدق والصداقة والحب وثيق والعرى بينهما لا تنفصم ما دمت عليه قائما..ولعل هذا ما حفر لقيمة الصدق موقعا متميزا ومكانة سامية في ادبيات الفكر الاسلامي على مر العصور فكان الحديث عن الصداقة واهلها واهميتها واعتبارها ضرورة حياة ديدن كل العلماء والمخلصين الساعين الى التقدم والرقي في كل مجالات الحياة..ولم يكن غريبا ان تتعدد المصنفات العلمية والادبية في الحقب التاريخية المختلفة قديما وحديثا حول هذه القضية ودراسة تأثيراتها ودورها في التربية والارتقاء بالمجتمعات وارتفاع وشموخ بنيانها الحضاري..وهذا موضوع عظيم نتحدث عنه تفصيلا في قادم الايام..
**قال الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياهُ
فكم من جاهلٍ أردى حليمًا حين آخاهُ
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ إذا ما المرءُ ماشاهُ
وللشيء على الشيء مقاييس وأشباهُ
وللقلب على القلب دليلٌ حين يلقاهُ
**ومن بديع ما قاله الامام الشافعي رضي الله عنه :
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا
ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ
ويلقاهُ من بعدِ المودَّة بالجفا
وَيُنْكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا
صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا
**والله المستعان..