ضيوف الرحمن يعودون إلى بلادهم، وقد أدوا المناسك المباركة: طافوا بالبيت العتيق ووقفوا بعرفات، ورموا الجمرات وأتموا مناسكهم ولسان حال كل حاج منهم يقول:
عندما اكتحلت عيناى برؤية البيت الحرام، لا أدرى الفرح من البكاء، خلف المقام صليت، وفي حجر إبراهيم سجدت، وفي أرضه مرّغت أنفى، بيدى لمست حجرا من أحجار الجنة، بعيني رأيت ياقوتة من ياقوت الجنة، شفتاي قبلتا الحجر الأسعد وصدري ألصقته بالملتزم، من أطيب ماء فى الدنيا شربت حتى ارتويت، وعلى جبل الصفا وقفت، لعلي وضعت جبهتي حيث وضع النبي الكريم قدماه الشريفتان، أو مرغت وجهي حيث سقطت دمعته وهو ساجد عند الكعبة، إنها مشاهد لا أنساها ما بقيت على قيد الحياة، فمن أسعد منى فى الدنيا؟.
إن فريضة الحج مدرسة لغرس حب الله في القلوب، فيعود كل حاج إلى بلده وقد امتلا قلبه حبا لله ولدين الله ليحيا طيباً ويعيش طيبا ويعمل طيبا، لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.
إن الحاج حين يعود من حجه، ينبغى أن يأكل طيبا تحقيقا لقوله تعالى: "يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" البقرة 168، وقال جل شأنه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" البقرة 172.
والحاج حين يلتزم بعد حجه بالحياة الطيبة، والقول الطيب، والسعى بين الناس بكل طيب، ويلتزم تقوى الله فى كل حياته، فإنه يموت طيبا، قال تعالى: "الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" النحل 32، وإن شاء الله تعالى سيدخل دار الطيبين، قال تعالى: " وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ" الزمر 73.
وبعد انتهاء المناسك، ما المطلوب من الذين أدوا فريضة الحج؟ هل سينتهي ذكرالله بهذه المناسك؟ يجيب الله تعالى على هذا السؤال بقوله: " َفإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {201} أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {202}" البقرة.
إن الناس بعد أداء المناسك ينقسمون إلى قسمين: قسم همه الدنيا يعيش لها، يحرص عليها، وينشغل بها، حتى دعاءه يكون للدنيا، فهؤلاء يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا إذا قُدر لهم، ولا نصيب لهم في الآخرة، والقسم الآخر أوسع أفقاً وأطيب نفساً، لأنه يظل موصولا بالله يريد الحسنة في الدنيا ولا ينسى نصيبه في الآخرة، قال تعالى: "مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ" الشورى 20.
إن من حكم الحج العظيمة، غرس عظمة الله في القلوب والاطمئنان بذكره في كل حين، فذكر الله بعد الحج ليس تحريك الشفتين بالتسبيح والتحميد والتهليل فقط، بل مطلوب أن تذكر الله في كل وقت وحين، تذكر الله حال النعمة أي نعمة فتشكره عليها، تذكره حال المصيبة أي مصيبة فتحمد الله عليها وتعلم أنه هو الذي قدرها وتقول: إنا لله وإنا اليه راجعون، تذكر الله في كل ساعة وفي كل حين ليثبتك عند الموت بلا إله إلا الله.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة يارب العالمين، وارزقنا حج بيتك مخلصين لك الدين.. اللهم آمين.