رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

هذا المقال مستوحى من خطبة رائعة للمفكر الفلسطيني د. عدنان ابراهيم و من معنى كبير ورد على لسان الدكتور أحمد خالد توفيق، و لكم تأثرت بعلم دكتور عدنان هذا المعلم الجليل وامثاله. و لكم استفدت من بذخ وثراء معجميته .. فاي تقدير او اعجاب تجدونه في هذا المقال .. أنا أعزوه لهما .. منهما استقينا عذب المعاني وعنهما عنعنا رونق الكلم.
■ ■ ■

- أكم من مواقف جرحت صبانا فكشفت لنا قُرَح الضلال والتضليل في أغوار بعض نفوس البشر الآسنة.
هل سأنسى يومًا هذه الرواية التي سمعتها في صباي من سيدة ستينية حكت بأسى كيف تكفل زوجها بمصروفات زواج ولديهما من مهر، شبكة وخلافه فيما ضنّ عليها هي شريكة كفاحه بشراء خاتم ماسيّ أسوة بكنّاتها رغم الحاحها عليه. ثم شرحت بنبرة علا فيها صوتها حِدّة، كيف أنها بحصافتها تفرصت الفرص وانتهزتها، فتمكنت في ظرف عام واحد من ادخار مبلغًا من مصروف البيت قُدِّر آنذاك بزهاء الألاف العشر، فشرت الخاتم القيراط وتساوت بكنّاتها.
هنالك فقط استكانت موجات روحها الهادرة وهدأت فورة غيظها كيل بعير.

- مرت شهور والتقيت بالهانم ذاتها في محفل ضُمّ هذه المرة صفوة المجتمع من" أتاربته وأباظيته"، فإذا بها تَزُج برواية مختلفة تمامًا للخاتم الماسيّ، وقد خضعت بالقول ورفّعت صوتها ونطقت بنبرٍ أنثويٍ رقيقٍ تختلط فيه الباء العربية بنظيرتها اللاتينية: " پنات، پنات، زوجي أهداني هذا "السوليتير" ليشبكني من جديد بمناسبة عيد زواجنا"ّ!

يوم أرادت أن تبدو قوية، استعانت برفع الصوت ورسمت رتوش شخصيتها بريشة المناضلة لتبدو ثورية لا ترضى بالضَيم والظُلم على نفسها.
على أنها حين ارتأت لعب دور الأنثى المرغوبة، استعانت بخفض صوتها كما ونمقته وتصابت باستحياء لتبدو كما المرأة التي يتودد إليها زوجها بالقرابين!
العجب العجاب أنها لم تأبه للحضور الذين ثاقب ولاحظوا التحديثات التي طرأت بين الروايتين!
■ ■ ■

"جراح مخ و اعصاب"

■ ■ ■

- ولكم صادفت سيدات مُدّعيات للانهاك وانعدام الطاقة ومصدرات لصورة الشخصيات المستهلكة على أنه متى قيل لهن:
"هيا شوبينج" أو "هَلُم سفرة"، أو "دعوة ظهور ببرنامج تلفزيوني"، هنا ينتفضن ويقفزن بقوة 5000 فولت ويتحولن "لماك جايفر" أو المرأة الخارقة، فتصول الواحدة منهن وتجول وتقوم بمسح كامل لعدة "مولات" بيوم واحد (أبالغ).

- ويَلُح عليّ ذكر واقعة مرض والدتي التي أصيبت بورم في المخ ابّان دراستي بالجامعة .. وفي ليلة اشتد عليها الألم بمنتصف الليل وكنت وحدي أصاحبها بالمشفى، فاستدعيت الطبيب المناوب وكان شابًا قصيرًا، نحيلًا.. ولا أعلم كيف صدر مني هذا السؤال، لربما لأنني كنت وحدي أشعر بمسؤولية مضاعفة تجاه والدتي أو لربما انطقنيها رب العالمين.. الشاهد سألته

: "هل حضرتك طبيب أطفال أم جراح مخ وأعصاب؟"
فامتعض الرجل وذهب مُغاضبًا كما ذهبت معه أدراج الرياح كل جهوده في رسم مظاهر الهيبة على محياه. فالكلام بالقطارة والخطوة المثقلة والحركات المدروسة، والنظرات المحدقة واللفتات المفتعلة، البطيئة التي يعلوها الكبر. مع نبرة الصوت الخنِفة .. كل هذا كان محاطًا بمعطف أبيض، مكوي ياقته بمسحوق النشا.. ثم تأتي طالبة غريرة مثلي لتتعامى عن هذه التجليات الصارخة وتسأله

: أجراح مخ وأعصاب أم طبيب أطفال؟

صدقًا، لم أكن بأية حال في وضعيسمح لي بالإستهانة بمثله سيما وأنا بقمة احتياجي لدعمه لوالدتي ولا كنت أدرك في باكورة عمري هذا إن هكذا سؤال يطعن الجراحين في مقتل بمشرط تلم.

■ ■ ■

أن تبدو .. لا أن تكون

■ ■ ■

هذه المواقف وأخرى جعلتني أدرك أن النجاح الزائف ليس في الطريقة الحقيقية التي ترى بها نفسك لكن بحسب الأسلوب الزائف الذي تصدر به صورتك للأخرين

إن سر النجاح الزائف في الحياة كما وصفه الدكتور أحمد خالد توفيق " ليس أن تكون .. بل أن تبدو"
ودي لو كررت مقولته لأهميتها " ليس أن تكون .. بل أن تبدو".
■ ■ ■

أما أنا فاقول:

ليس أن تكون ناجحًا بل أن تبدو مطلوبًا.
ليس أن تكون خبيرًا بل أن تبدو عالمًا.
ليس أن تكون حرًا بل أن تبدو منطلقًا.
ليس أن تكون جراح مخ وأعصاب، بل " ألا " تبدو طبيب أطفال.
ليس أن تكون خيرًا بل أن تبدو نبيلًا.
ليس أن تكون ورعًا بل أن تبدو مُنسبًا من الأشراف.
ليس أن تكون عطوفًا بل أن تبدو منكسرًا.
ليس أن تكون مثاليًا بل أن تبدو قريبًا من الكمال.
ليس أن تكون جميلًا بل أن تبدو فاتنًا.
ليس أن تكون قويًا بل أن تبدو صلبًا، منيعًا.
ليس أن تكون ذكيًا بل أن تبدو مفتوح العينين، حاذقًا، المعيًا، اريبًا، لبيبًا ولوذعيًا.
ليس أن يكون محتواك أنيقًا، مُثقلًا، لكن أن يكون مظهرك براقًا، مترفًا.
ليس أن تكون نزيهًا .. بل أن تبدو عفيفًا، شريفًا.

ليس أن تكون متحضرًا .. لكن أن تبدو مدنيًا، مهذبًا.
ولو كان قاعك قُح ريفيًا.
وقناعاتك مصكوكًة بالبداوة.
وفكرك مُسَمَدًا بالضيق.
وأفقك مُسَمَمًا بالإنغلاق.
وقلبك مُسَبَخًا بالصد؟
وثوابتك مُسَمَرًة بالتماثل بالموروث.

ليس أن تكون شخصًا مُهًما بل أن تبدو شخصًا واسع العلاقات، غير قادر على إتمام محادثة، مشغولًا، فتنطبع عنك العظمة، الأبهة والأهمية.

ليس أن تكون مثقفًا، مفكراً، عميقًا .. بل أن تبدو ملمًا، مطلعًا، موسوعيًا، قوالًا، عروبًا، تدلي بدلاءك.. مها كنت اعتسافيًا، اعتباطيًا أو محض تويفهًا.

ليس أن تكون بطلًا بل أن تبدو مغوارًا، فارسًا، هُمامًا، دونكيخوتيًا.
ليس أن تكون غنيًا بل أن تبدو عليك مظاهر الثراء، ومنها -أحيانًا- أن تبدو لا مباليًا بالبضائع الثمينة بل "النادرة" أو التظاهر بالبساطة المفرطة لتبدو مميزًا عن سائر الأثرياء.

ليس أن تكون خلوقًا بل أن تبدو مهذبًا، خدومًا، عرابًا
مهما أسهمت بسهام همزك
وطعنات لمزك
وطلقات استهزائك
ولدغات سخريتك
واسافين تجريحك
ومناورات تسفيهك
وعسعسات فضولك
وكمائن حشريتك
وتشويحات تهميشك
ونبر استعلائك عمن سواك.

■ ■ ■

ليس أن تكون طيبًا .. بل قد تضمر شرًا وضرًا، على أن تبدو للناس منكسرًا، خاضعًا، وديعًا.. فتُعَنوَن أليفًا وطيبًا.

- ليس أن تكون عاقلًا .. بل أن تبدو صموتًا، رزينًا تعلوك امارات الحكمة .. وتكسوك دُثُر الكبار وبشت الشيوخ وسمت الكهنة.

ليس أن تكون فصيحًا بل أن تبدو حصيفًا، لبقًا ومفوهًا.. مفرداتك ناصعة وعباراتك لامعة ومنطوقك بمنجاة من اللدغة، مقلقلًا لقسمك، معطشًا لجيمك ولو كنت مجوعًا لمن يحتاجك ولو كانت معانيك خواء ولو كان فكرك محض هباء.

ليس أن تكون واثقًا بل أن تمشى واثق الخطوة، متثاقلًا، متجاهلاً، غير مكترثًا، فتبدو واثقًا، خبيرًا ببواطن الأمور.

ليس أن تكون أنانياً بل أن تتأني في استخدام "أنا"، أما لو أفرطَّ فيها، فلا عليك، لكن أكثر من الاستعاذة بالله من قولة "أنا" جهارًا، نهارًا، عشارًا .. مهما اضمرتها بفعالها في نفسك، مرارًا، مرارًا وتكرارًا.

- ليس أن تكون قنوعًا بل أن تبدو للناس مستكفيًا، راضيًا، زاهدًا، روميًا، تبريزيًا، متصوفا.. حتى لولم تكتف بمكانة الأخ الأكبر بل ارتضيت سحب البساط من تحت أقدام أباك الذي خرج على المعاش أو أمك الضعيفة، المهمشة، المنبوذة .. وبت تؤمن باستحقاقك لمكانتهما، مستمرًئ تفضيل أخواتك لك عنهما.. وترى بديهة في ذلك ثمنًا لتضحياتك ونتاجًا طبيعيًا لعطاءاتك .. بل وتروج لسفه والدك وتروي وتتسامر عن نوادر مصائب والدتك تلك التي "عملت عمايل" .. كما صرت لا يعنيك أن يُدانا أحدهما أو كليهما أحياًء أوأمواًت في حضرتك .. كونك ارتضيت أن تحل محلهما مكانًة واكبارً أيها التبريزي، الرومي، الزاهد، الزائف.

- ليس أن تكون محبوبًا بل أن تبدو محاطًا، مع يقينك أن محيطك هذا جاهلًا بجرائمك يوم هددت والديك بالاتصال "بالعصفورية" اي مستشفى الأمراض العقلية لتخيفهما من ممرضي المشفى وصعقات الكهرباء المؤلمة ليكفا عن عصبيتهما.. ولم ترحمهما حتى حينما هددا بالإنتحار.

- ليس أن تكون شجاعًا، مصاولًا، مغوارًا، بل أن تبدو للناس جسورًا، باسلًا .. ولو كنت رعديدًا، خوارًا، تعجز عن الدفاع عن عرض أبناءك لو انتهك من ذو منصب كبير.. ولا حتى تصد عن كرامتهم لو أهينوا من سائق صغير.

ليس أن تكون حييًا .. بل أن تبدو للناس خجولًا، مكسوفًا ومستحيًا بحمرة زائفة .. ولو كنت صفيقًا، ماجنًا، متواقحًا، صلفًا سيما مع أهلك، خدمك ومن طالتهم يداك.

-ليس أن تكون نقيًا، بل قد تكون من الغيارى، الحسدة ..على أنك تبدو للناس طفوليًا، ملائكيًا، طهورًا.. فيما تشتاط غيظًا لو بُعث لأخيك ببرقية عزاء، لم تبعث باسمك.
تثور لو قام أحدهما بشراء كعكة من حانوت بعينه بُعيد استشارة زميلك دون استشارة عظمتكم.
تغلي ويفور التنور لو جاء الترحيب بك مقتصرًا على أهلًا، فيما رُحّب بصديقك بأهلا مع إضافة السهلاً.

■ ■ ■
-ليس أن تكون مهيباً بل أن تبدو فخيمًا، رصينًا، رزينًا، جليلًا، مُفتخرًا، مُعظمًا، غائبًا، شاهقًا، قصيًا، بعيد المنال. ترد على الجماهير من عليّ بإشارة تلويح ملكية .. ولا ترضى سوى بأدوار النجم الأوحد الذي يصل متأخرًا لتُصَعَر له الأبصار.

-ليس أن تكون سهلاً بل أن تبدو موطئًا للأكناف، كمن نراه حريصًا على توسيع موطئ قدم لزميله بالمسجد، أو كمن يمشي حاضنًا سائقه تحت جناحيه لإظهار تعاطفه مع حقوق المهمشين في المجتمع .. على أنه يصهين صهينة صهيونية عن حقوق شقيقاته ولهن عقود بالمحاكم للمطالبة بنصيبهن من قطعة أرض أو بيت من ميراثهن وضع هو يده عليه ورسخ أقدامه وأقدام أبناؤه فيه.

- ليس أن تكون كريمًا بل أن تبدو جوادًا تتيه بخيلاء لتخصيصك لأنصاف الجنيهات، تمنحها للسائلين لاسترضاء ضميرك بمسكنات شلنات الفضة .. على أنك من أكابرالمناعون للماعون بدعوى أن الصيف خلص ولا داعي لشراء مكيف لفلان المحتاج .. كما انك من هؤلاء المتهربين من دفع مهر زوجاتهم أو نفقة مطلقاتهم أو حقوق يمكن التلاعب بها أو التغافل عنها أو زكاة من الأريح التهرب منها كونها "هبرة" كبيرة، سيما بعد أن نبّشت عن شيخ فصل لك فتوى على قياسات خصر ضلالاتكّ!

- ليس أن تكون مُتدينًا بل أن تروج لصيامك، ولتُعلن عن قيامك، ولتُسمع من حولك "وسوسوات" تسبيحاتك ولتنوه عن وردك ولتلتقط صوراً للإشهار عن عطاؤك .. ولتنبئ عن تمظهرات التزامك .. مهما كنت كويفراً، صنديدًا تبارز رب العالمين على فرس المعاصي أمام سبوحات وجهه جل وعلا - كما وردعلى لسان د. عدنان ابراهيم - لكن.
لكن خفية عن الناس وإن جمحت خسائسك، وتشرهت مطامعك ف:
فبخلت بزكاة مصاغك كونك وجدت مخرجاً للإفلات من الدفع ( الشيخ قال حلال)
أو إن احوجت مَعيل لك بادعائك العوز والفلس.
أو إن احرجت فقير لتستقرض ماله بسيف الحياء.
أو أن تَغُلّ بحسام الإحراج.
أو أن تطعن بخنجر التشهير.
أو أن تتوارى عن أداء دورك بدرع المسكنة.
أو أن تتقن حياكة شباكك لاستنطاق فتوى للفكاك من دفع مديونيتك.
أو أن تُسقط أخاك في غياهب بئر مصارع الحياة وحده ليلتقطه بعض السيارة في دروب المسير، اعانوه أم تركوه سيان لديك (أو لربما يبلغ بك الصلف أن توهمه أن نجاته كللتها دعاواتك له)، مع تهاونك التام في معاونته واكتفاءك بالتواصل الشكلي معه كونك بعته بدراهم معدودة وكنت فيه من الزاهدين .. ثم تتهمه بأنه لا يأمنك ولا يثق فيك ولا يُكبرك رُغم أن حتى اتصالك به يكون أحد اهدافه تمرير أخبار.. أو استنطاقه للتقصى عن معلومات يعنيك تمريرها أو معرفتها.. فيما تتخلى عنه في النوائب ..على أنك تنتوى "أن تستغفر لاحقًا وتكن من الصالحين". ها ها ها.

- ليس أن تكون ذاتك الحقيقية، بل ذاتك الخيالية التي تختال بها على الأخرين بل لربما على نفسك.. هذه الذات الخيالية المصنوعة من مئات اللبِن كما وصفها العلامة "عدنان إبراهيم" لبِنة المال، لبِنة الجمال، لبِنة القوام، لبِنة الصحة، لبِنة المظهر، لبِنة اللقب، لبِنة العلاقات إلخ.. وكلها حجارة خيالية تؤسس هيكلك الوهمي الواهي، بأهوائه العاصفة المفرقة التي وصفها "الحلاج" مخاطبًا رب العالمين بالتالي:

كانت لقلبي أهواء مُفرقة .. فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي
وصار يحسدني من كنت أحسده .. وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
تركت للناس دنياهم ودينهم .. شُغلًا بحُبِك يا ديني ودنيائي.
■ ■ ■

وستحقق لك هذه الهيبة الزائفة وهذا الهيكل الخيالي نجاحًا زائفًا لكنه - أبداً- ليس نجاحًا ببراعة عصا الكليم تلك التي تلقف ما يؤفكون.
وفي نهاية المطاف، ستتربع أنت نفسك، وبنفسك على عرش من خدعتهم.

ربما لهذا الغرض سطر الرومي هذه الأبيات ويكأنه كتبها لإيقاظ الواهمين من خبراء فن صناعة الهيبة:

:"اللهم إني سجين قبري بدني
هلم يا اسرافيل .. فانفخ في صوري
من أجلي .. حتى توقظني"

لا حيّا الله خبراء فن صناعة الهيبة ولا أيقظهم من سباتهم وليتمتعوا في سباتهم وليعمهون.

ملحوظة:
العمى هو فقدان البصر عن الماديات فيما
العمه هو فقدان البصيرة عن المعنويات الذي يقود للتيه في دروب الحياة، فيحيا الانسان في حيرة سرمدية من تصرفاته: أصواب أم ضلال؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة