رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


عرفت خالد جلال مخرجاً مبدعاً، وفناناً شاملا، وإنساناً قادراً على صناعة النجوم، وخلال السنوات الأخيرة استطاع أن يحتل مكانة خاصة جدا بين مبدعي مصر، فأصبح رقماً محورياً في صناعة الفن المصري، وتخصص في أهم وأصعب عناصر الصناعة، ألا وهو "صناعة الممثل" .. وهنا تفرد خالد مرة أخرى بصناعة ممثل شامل قادر على أن يكون إضافة لعالم الإبداع، فصدق وصفي له منذ سنوات بأنه "صانع النجوم" .. نجوم تلمع ولا تنطفئ .. نجوم قادرة على أن تشق طريقها في بحر الفن بكل يسر وتمكن .. لذا كانت تجربته خلال السنوات الأخيرة رافداً مهماً لصناع الفن في مصر، حيث يحج له المخرجون والمنتجون للاستعانة ب"أولاد خالد جلال" وخريجي مركز الإبداع للعمل في مختلف الأعمال الفنية، إلا أنه في عرضه الجديد "سينما مصر" مشروع تخرج طلاب الدفعة الثانية قسم التمثيل باستوديو مواهب مركز الإبداع ، نجد أنفسنا أمام خالد جلال بنكه جيدة ليضيف لنفسه لقلب "خالد جلال صانع الوطنية، صانع الفخر والاعتزاز، صانع القدرة علي التحدي ومواجهة الحاضر والعبور إلى المستقبل بكل شجاعة".

في عرض "سينما مصر" الذي نسجه عبر شخصية فاتن حمامة "نادية برهان" في فيلم "الليلة الأخيرة" والتي يرمز لها بمصر، والذي يتلاعب بها زوجها راشد "محمود مرسي" ويحاول طوال الوقت إيهامها بأنها أختها فوزية وليست نادية ويستخدم كل الحيل والأساليب لخداعها وتضليلها، وفقدها الثقة في نفسها، بل وجعلها تشك في نفسها، مقدماً رمزية واضحة لأعداء الوطن الذين يريدون تقزيمه والتشكيك فيه وفي تاريخه وحاضره ومستقبله، والإساءة له في كل مكان وزمان حتى لا تعود مصر قوية فتية وتلعب دورها الرائد الذي تتقنه، وحتى لا تعود لمكانتها الكبيرة التي تستحقها، إلا أن "نادية" في نهاية العرض تعود قوية فتية عظيمة وفاهمة، وتؤكد أنه رغم كل التحديات .. رغم بعض الإخفاقات .. رغم كل الضربات .. رغم جميع المؤامرات من الأغراب والأشقاء والأقارب .. رغم التشكيك في تاريخها وحاضرها .. رغم محاولة إفشال مستقبلها، إلا أنها قادرة على مواجهة كل ذلك والعبور نحو المستقبل بعزة ومكانة واقتدار.

استطاع "خالد جلال" وفريق عمله المبدع و63 فناناً من الشباب أن يجعلونا نعيش مشاعراً عديدة في ساعتين وربع الساعة مدة العرض، مشاعر تنتقل بك من الانكسار إلى الانتصار، من الاحتلال إلى التحرر، من الرضوخ إلى التصدي لكل التدخلات الخارجية ومواجهتها بالاستعانة بإرادة الشعب .. جعلنا نشعر بالدهشة، بالضياع، بالحزن، وعاد ليضحكنا من القلب، بكل سلاسة ويسر .. جعلنا نغني مع أبطاله ونرقص ونصفق، وفجأة بكينا مع أبطاله بصدق .. بكينا بكل صدق .. جعلنا في لحظات معدودة نتنقل بين الحزن والفرح، بين الاستسلام والقدرة على المقاومة، بين صراع الساسة واتفاقاتهم سيئة السمعة، جعلنا نتيقن أن خلافاتهم على المصالح وليس من أجل الوطن .. جعلنا نتنقل بين الخيانة والإخلاص والولاء، بين فقد الذات والضياع مقابل الثقة بالنفس والاعتزاز بالوطن وأننا أبناء مصر العظيمة، كل ذلك حدث من خلال 45 مشهداً اختارها بعناية من بين أعمال السينما المصرية الخالدة .. تنوعت بين الكوميدي والتراجيدي والدراما والتاريخي وكل فنون السينما، ونجح طوال مدة العرض في الحفاظ على "رمزية نادية"، التي شارك في أدائها كل بطلات العرض تقريبا، مقدماً أكثر من 30 ممثلة قادرات بقوة على أن يسرن بخطوات ثابتة نحو النجومية وقد ظهر جلياً تأثير خالد جلال الإيجابي على أدائهم، فيما شارك أكثر من 30 ممثلاً في أداء باقي الشخصيات بين راشد العدو ل"نادية" أو "الوطن" وبين الدكتور مجدي "أحمد مظهر" المخلص لقضية المريضة والذي يريد إنقاذها، وهو ما يجعلنا أمام مبدع محب لبلده.. مبدع صاحب رسالة.. مبدع يقدم 63 نجماً ونجمة من ماركة خالد جلال، تلك الماركة التي باتت مسجلة خلال السنوات الأخيرة داخل الوسط الفني.
نجح خالد جلال في تقديم نفسه كمؤلف وصاحب رؤية مجدداً، ولم يكتف بنجاحه كمخرج، ونجح فريق عمله من صناع السينوغرافيا "صوت وإضاءة وخدع بصرية وديكور" في تقديم عمل متكامل يثري الوسط الفني والثقافي، انطلاقا من قاعدة قالها خالد نفسه قبل بداية العرض: "إذا عاد الفن لمكانته الرفيعة فهذا مؤشر قوي لعودة مصر العظيمة، مؤكداً أن الفن انعكاس واضح لأحوال المجتمع"، وهو ما يجعلنا أمام جيل جديد من المبدعين يثبت مجدداً أن "مصر أم الإبداع" .. جيل من الشباب استفادوا من التأثير الإيجابي للمبدع الكبير خالد جلال على تطوير إمكانياتهم الفنية والذهنية والأهم الثقافية.. فالفنان ليس بغبغاناً يردد سيناريو لكنه مبدع لا بد أن يتقاطع مع تفاصيل الدور وأيضاً قضايا وهموم وطنه.. فنان يدرك أنه امتداد لأجيال عظيمة من المبدعين على مدار تاريخ طويل، ويظهر ذلك جلياً خلال المشهد الأخير من العرض حيث نشاهد جدارية تضم رموز الفن والإبداع المصري، مما يثبت أننا أمة كبيرة وذات جذور، وأن عثرات حاضرنا لا يجب أن تنسينا ماضينا المشرف، ومعدننا الأصيل، وقدرتنا على مواجهة كل التحديات، والعبور بقوة وثقة وإبداع نحو المستقبل الذي نستحقه، الذي نمتلك كل أدواته فقط نحتاج إلى الثقة بالنفس والثقة في قدراتنا، والإيمان أننا نملك ما يجعلنا نعود أمة ذات تأثير ونفوذ .. نعود أمة قادرة على قيادة العالم، وصناعة مجتمع الرفاهية.

أهم ما يميز عرض "سينما مصر" أنه راهن على ما ننادي به منذ زمن .. راهن على معركة الوعي، وهي المعركة الأهم في رأيي بالنسبة للوطن وللشعب المصري، المعركة الذي يجب أن تتطابق فيها كل الجهود وجميع مؤسسات الوطن، حتي ننتصر على جميع التحديات والمؤامرات الخارجية، ونهزم الفساد والفقر وجماعات التضليل، وجماعات المصالح وكل المشاكل الداخلية، لنبني وطناً يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وطناً يحكمه الدستور والقانون ويسوده العدل والمساواة، وطناً يؤمن أن السكن الآدمي، والعلاج المجاني، والتعليم الجيد، وتوفير فرص متساوية للعمل والترقي، وتوفير الحد الأدنى من الوعي الثقافي والاجتماعي حق لكل مواطن وليس منحة، دولة تؤمن أن المواطن أي مواطن شريك في صناعة الحاضر وفي بناء المستقبل، وأن مواجهة محاولات تقزيم وتفتيت الوطن والاستيلاء عليه تستوجب تضافر وتوحد جميع المصريين لمواجهة ذلك بقوة وصلابة وذكاء، لذا تبقى معركة الوعي الخط الأول لتحقيق كل ذلك، وهو ما يجعلنا نطالب السيدة إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة بالتعاون مع الدكتور خالد عبدالغفار وزير التعليم العالي بتقديم هذا العرض في جميع جامعات مصر، كما أطالب مؤسسة الرئاسة أن يكون العرض أحد مكونات برنامج مؤتمرات الشباب الوطنية، فبمثل هذه الأعمال نوقظ الروح الوطنية لدى شبابنا الذين يعدوا قوة المجتمع وصناع حاضره ومستقبله.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة