في محاولة لرصد ظاهرة عجيبة.. قام باحثون بوضع ''شريحة'' في جسد أحد الطيور النادرة المعروف عنها عدم الانتماء لموطن بعينه والاستقرار فيه، وقدرتها الهائلة على قطع المسافات الشاسعة في هجرات دائمة إلى أماكن متباينة في طبائعها، مختلفة في في سماتها دون سبب مفهوم.
ربط الباحثون ''شريحتهم'' بمتعقب 'Gps'؛ لمتابعة نمط الهجرة لذلك الطائر المسمى ''اللقلق الأبيض''.. فقد المتعقبون قدرتهم على الاتصال بشريحتهم، حيث فاجأتهم شركة الاتصالات بعد أيامٍ من البحث ومحاولة إعادة الاتصال بأن عليهم دفع آلاف الدولارات قيمة ''فاتورة'' مكالمات أجراها ''أفريقي'' استطاع خلع شريحتهم عن جسد طائرهم ووضعها في هاتفه الخاص متحديًا فائزًا على من وضعوا واهمين عامدين آمالهم في شريحة حملها ذلك اللقلق المفترض متابعته ورصد تحركاته.
و''اللقلق الأبيض'' طائر غريب الأطوار نُسجت حوله الأساطير في ثقافات متعددة، منها الدينية ومنها الاجتماعية، ومنها ما يرتبط بالفحولة والقدرة على الإخصاب، بل وتحديد نوع المولود البشري ولونه، وقدرته على منح الخير لمن يحب.. ومنعه عمن يغضب عليه.. إلى جانب ارتباطه بالزنا والخيانة في العديد من الأساطير عبر العصور المختلفة وفي أنحاء متعددة من العالم القديم.
وسُمي 'اللقلق' بهذا الاسم؛ كناية عن 'الثرثرة' أو الضجيج عديم الهدف الذي يحدثه ذلك الطائر الغريب مع كل حركة يقوم بها، أو يهم بأدائها.. سواء قطع آلاف الكيلومترات طائرًا.. أو اكتفى بمحيطه قابعًا لا يحرك ساكنًا غير رأس فارغ.
وكلمة ''لق لق'' تركية الأصل تعني كثرة الكلام أو النميمة، ومنها كانت اللفظة الدارجة في عاميتنا المصرية ''لوك لوك'' التي تقال لكثيري الأقوال.. قليلي الأفعال.
حاصرت رأسي من كل الجهات حكايات ذلك ''اللقلق الأبيض'' غريب الأطوار الذي يقذف بصغاره خارج أعشاشه إذا أحس باقتراب نفاد مخزون الغذاء لديه؛ ليحتفظ بالقليل المتبقي منه لنفسه..
احتلت الحكايات رأسي في الأيام الأخيرة خلال متابعتي للعديد من الأحداث في ميادين شتى.. الرياضية منها وغير الرياضية.. ولأن الأكثر ضجيجًا وثرثرة يفرض نفسه وينحي ما عداه ـ إلى حين ـ جانبًا مهما بلغت أهميته.. رأيت عددًا هائلًا من ''اللقالق'' يدور في وطننا حول مستطيلاتنا المسماة خضراء.. يدور قاذفًا أحجاره علينا بين حقائق وأساطير بمساواة استثنائية في الظلم العادل.. أو العدل المظلم.. ملقيًا بأبنائه تاركًا مصائرهم بين كفوف تتلقفهم وأخرى لا تكف عن معاودة قذفهم نحو مصير مجهول، مانحًا شريحة تتبعه ـ طوعًا ـ لمتابعين جديرين آخرين داخل المستطيل.. ومراقبين حوله جاؤوا مصفقين ملوحين تارةً.. شائحين نائحين أخرى.. من شرائح متباينة قليلها يدرك معنى الانتماء للأرض، وكثيرها جاؤوا مراقبين لمن يزاوج رقمين ''اثنين'' متماثلين؛ مطالِبين شريحةً.. أو شرائح بـ ''فاتورة'' لم يفوزوا منها بغير تجاعيد علت جباههم بانفعالات متباينة.
بين 'ثرثرة' هنا.. وضجيج زائف زائل هناك.. أطبقت علينا 'لقالقكم' وثقل لقاكم.. فلا تأملوا.. أو تأمنوا.. لشريحة في أرضٍ أو فوق سحاب.. مادمنا أدمنّا فتور نبضٍ.. وأمِنّا الحساب.