رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

** لا سبيل أمامنا للتقدم والتنمية واللحاق بركب الدول الكبري وعدم الخروج من صفحات التاريخ.. سوي الأخذ بأسباب العلم.. وافساح المجال للعلماء لتقديم ابتكاراتهم وأفكارهم ومخترعاتهم.. والأهم العمل بها.. ووضعها موضع التنفيذ.. ففيها حل جميع مشاكلنا.. جودة إنتاجنا.. وتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل شيء.. والأهم زيادة مواردنا وتحسين حياة المواطنين ورفع مستوي معيشتهم!!


سيظل العلم مع العمل هما "كلمة السر" أو مفتاح التقدم.. لذلك لا سبيل أمامنا سوي اللجوء إلي حصائد عقول العلماء وأبحاثهم التي أفنوا فيها عمرهم.. وكانت نهايتها الوضع علي الأرفف أو داخل الأدراج.. وتحويلها إلي حقيقة تغيير واقع المجتمع في مختلف المجالات.. فالصناعة علم.. والزراعة علم.. والتجارة علم.. وحتي الفن والرياضة علم.. ونهضة الدول تقام علي ما تنتجه عقول وسواعد الشعوب!!


.. للأسف هناك من يتبع حصائد الألسنة ويلجأ إلي "الفهلوة".. وليس من الطبيعي ان يتواري أولو الألباب.. وان يتقدم الصفوف أنصاف المواهب ومن يجرون وراء السحر والشعوذة وفتح المندل.. بينما هناك علماء حبسوا أنفسهم في معاملهم يجرون دراساتهم وأبحاثهم دون أن يشعر بهم أحد.. وكأنهم اختاروا الانعزال داخل جدران الصمت التي تشهد علي مبتكراتهم ومخترعاتهم ولا تبوح بأسرارها أبداً.. لانهم يسعون للأخذ بها وتنفيذها واخراجها إلي النور!!


قد تفاجأ عندما تعلم انه يوجد في مصر أكثر من 100 مركز بحثي تتبع الوزارات والهيئات والجامعات ومتخصصة في مختلف المجالات ابتداء من الزراعة والصناعة.. إلي الطاقة والبناء وصولاً إلي الطب والتخطيط.. وهناك أيضا مراكز للالكترونيات وصحة الحيوان.. وجميعها تكتظ بآلاف الدراسات والأبحاث التي تضع حلولاً لمعظم مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا.. ومع ذلك نادراً ما كان يؤخذ بحصادها!!


.. في السنوات الأخيرة بدأ الاهتمام بالعلم والعلماء.. ولكن مازالت الميزانية المخصصة للبحث العلمي ضئيلة في دولة تريد النهوض.. والأهم هو ضرورة إعادة النظر في أحوال العلماء والباحثين في كافة المراكز خاصة المركز القومي للبحوث الذي هو بحق مفخرة لكل المصريين!!


مركز البحوث .. أمس واليوم !!
** في سنوات الستينيات من القرن الماضي كانت الدوائر العلمية بمصر والخارج تحتفي بالمركز القومي للبحوث وتنشر المجلات الدورية المتخصصة أهم أبحاثه والدراسات التي يقوم بها باحثوه وما توصلوا إليه من استنباط سلالات جديدة في علم النبات أو علاجات للأمراض أو ابتكارات ومخترعات في مجال الهندسة والصناعة وأدوات البناء وغيرها مما تقدمه الشُعب والأقسام المتميزة بالمركز.. وكان علماؤه من المكرمين دائماً في عيد العلم ومن أوائل الحاصلين علي جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية وتتخاطفهم الجامعات العربية.


في نفس تلك السنوات وقبل الانفتاح وتغلب الماديات كان المركز القومي للبحوث محط أنظار كل الخريجين من كليات العلوم والطب والصيدلة والزراعة والهندسة.. وكان أملهم العمل به لأن الخريج أولاً: سينضم إلي قافلة العلماء ويكون له قيمة في المجتمع وثانياً: لأن الراتب كان معقولاً ويكفي ويزيد فقد كانت درجاته من أعلي السلم الوظيفي أيامها.. للأسف كما تغيرت النظرة للعلم.. تأخر الباحثون وهبطوا لآخر درجات السلم من حيث الراتب خلال العقود الماضية.


مرت سنوات.. وتبدلت الأحوال.. وساد الاهمال البحث العلمي كما حدث في معظم المجالات الآداب والفنون والإعلام والصناعة والزراعة.. وبالطبع تقلصت الميزانيات المخصصة للأبحاث والمشروعات في المركز.. ومع ذلك فإن أغلب العلماء كانوا يصممون علي ألا يتحولوا إلي موظفين وواصلوا العمل في ظروف صعبة.. وتحملوا نقص المعدات والأجهزة والامكانيات.. وضحوا بالوقت والجهد.. وكان الكثيرون منهم يدفعون من جيوبهم لاستمرار مشروعهم البحثي حتي الانتهاء منه والخروج بالنتيجة ولا يرضخون إذا لم تكف الميزانية المخصصة تغطية نفقات المشروع فهؤلاء هم بحق العلماء الذين لا يهمهم سوي الوصول لاختراع أو دواء جديد أو تطوير ماكينة!!


بعد السنوات التي تغيرت فيها نظرة المجتمع للعلم والعلماء.. قابلت طبيباً يعمل في المركز منذ أكثر من 12 عاماً وحاصل علي الماجستير وقبلها 7 سنوات في كلية الطب والآن يستعد للدكتوراه.. وراتبه لم يزد عن 4 آلاف جنيه بعد حوالي 20 عاماً في دراسة الطب والعمل بالمركز ويتحمل نفقات الماجستير والدكتوراه.. بينما محاسب مبتدئ في أي بنك خريج العام الماضي يحصل علي نفس المبلغ.. أما مثيله في البترول والكهرباء فبالتأكيد بعد 12 عاماً من الخدمة سيكون 3 أضعاف ما يحصل عليه من يعمل في الشعبة الطبية بالمركز القومي للبحوث.. فما بالنا بنظرائه ممن يعملون في الشعبات الأخري الزراعية والصيدلانية وغيرها.. فمن الذي يفكر الآن من الخريجين في الالتحاق بأي مركز أبحاث؟!


المشروعات البحثية
** منذ أيام قدم الدكتور محمد هاشم رئيس المركز القومي للبحوث تقريراً لوزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور خالد عبدالغفار. يتناول أنشطة أقسام وشعب المركز خلال شهري أبريل ومايو الماضيين وأهم المشروعات البحثية والتعاون مع المراكز الدولية المماثلة والرسائل العلمية وبراءات الاختراع.. ورغم الجهد المبذول إلا أنه للأمانة فإن ما تم اتاحته من التقرير لا يحقق المأمول من واحد كان من أهم وأوائل المراكز البحثية في المنطقة والعالم عند انشائه بالقرار الجمهوري رقم 243 لسنة 1956.. والسبب الأساسي في ذلك هو نقص الميزانية وقلة الامكانيات!!


.. وقد يعتقد البعض ان ميزانية المركز البالغة 800 مليون جنيه هي معقولة.. ولكن إذا عرفنا ان 55% منها يذهب كرواتب للموظفين والإداريين والفنيين والباحثين الذين لا يقلون عن 5 آلاف شخص.. فإن ما يتبقي للبحث العلمي 380 مليون جنيه قال عنها الدكتور محمد هاشم في حوار تليفزيوني في بداية العام انه رقم غير كاف.. فالدول الكبيرة تتخطي ميزانية البحث العلمي فيها نسبة 3% من الدخل القومي بينما في مصر لم تتجاوز 1%.. بما يجعل الباحثين تكفيهم رواتبهم بصعوبة ونتمني زيادتها لأنهم أساس النهوض بالاقتصاد مشيراً إلي أنهم مع ذلك يقومون بعمل الأبحاث النظرية والعلمية فالراتب "مش كل شيء"!!


بالطبع كلنا يعلم الحالة الاقتصادية للدولة.. وصحيح انه صدر في عام 2018 قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار.. ولكن الوضع المادي السيء للعاملين في البحث العلمي يحتاج إلي إعادة نظر علي الأقل حتي يتفرغوها للعلم والتجارب والأبحاث التي تساهم في تسهيل حياة الناس أو التخفيف من أوجاعهم أو زيادة إنتاجية الفدان.. فهم يفكرون ويبتكرون ويخترعون ولابد أن يتم ذلك دون أن ينشغلوا بكيفية تدبير لقمة العيش ومصاريف المدارس لأبنائهم وإيجار الشقة بل ومنهم من يبحث عن ثمن المواصلات .. وهذا لا يليق بالعلماء.. فأي لاعب كرة ناشيء يحصل كل ما سوف يتقاضاه من يوم دخوله المركز حتي وفاته!!
المستقبل مع أفكار العلماء !!


** يحاول المركز التغلب علي نقص الميزانية المخصصة للأبحاث بإقامة علاقات تعاون وشراكة مع عدة مؤسسات وشركات عامة وخاصة لتمويل مشروعات بحثية تتوصل إلي نتائج تفيدها في مجالاتها وتزيد من إنتاجياتها.. وفي نفس الوقت تسعي وزارة البحث العلمي والمركز لنشر ثقافة البحث العلمي ودوره في النهوض بالمجتمع وذلك بتنظيم رحلات لطلاب المدارس لزيارة أقسام المركز والتعرف علي العلماء وكبار الباحثين ومناقشتهم وتوسيع آفاقهم العلمية. فإذا كنا لا نهتم حتي الآن بالعلم فعلي الأقل نلحق الأجيال القادمة ونزرع فيهم حب البحث والابتكار ليكون المستقبل أفضل.


إذا كنا بحق جادين في التقدم واللحاق بالعصر وبالدول التي سبقتنا ونسعي لتكون لدينا القدرة علي المنافسة الدولية في مختلف المجالات الاقتصادية ودفع عجلة التنمية وتنفيذ استراتيجية الدولة 2030.. فلابد من الاهتمام بالبحث العلمي!!


.. وإذا كنا بالفعل حريصين علي استمرار إجراء البحوث الأساسية والتطبيقية في العلوم والتكنولوجيا التي تخدم الاقتصاد القومي والمجتمع وإعداد كوادر علمية علي أعلي مستوي.. فلا مناص أمامنا سوي زيادة ميزانية البحث العلمي!!


.. وإذا أردنا تقديم الاستشارات العلمية للجهات والشركات والمؤسسات.. وأن يكون لدينا بيت خبرة مصري للبحث العلمي والتطوير والابتكار.. فليس أمامنا سوي الاهتمام بالمركز القومي للبحوث قمة المراكز البحثية في مصر.. والأهم تحسين رواتب الباحثين والفنيين والعاملين به وزيادة إرسال البعثات للحصول علي الماجستير والدكتوراه حتي نحافظ علي قاعدة العلماء التي نفخر بها!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة