إلى الأمام
منتدي شرم الشيخ الافريقي لمكافحة الفساد اضافة جديدة وحقيقية في الحرب العالمية علي الفساد ودعوة مصر للدول الافريقية للتركيز علي مقاومة ومكافحة الفساد خطوة جادة في الاتجاه الصحيح علي طريق التنمية الطويل والشاق في القارة السمراء.
الفساد هو الغول الحقيقي الذي يلتهم كل شيء ويقضي علي ثمار أي شيء وينزع أي بصيص من نور ويطفي بوارق الأمل في غد جديد فهو العقبة الكؤود أمام كل تقدم وأي حركة تنمية وأي رغبة فيِ الانطلاق وهو المعوق الرئيسي لكل الجهود الجادة في مواجهة الأزمات القائمة أو اللاحقة علي السواء.
وإذا كان الفساد يمثل خطرا كبيرا علي الدول المتقدمة أو الراسخة الاقدام اقتصاديا وسياسيا فما بالك بالدول الأخري الفقيرة أو المتطلعة للخروج من حصار الأزمات ولك ان تتخيل الصورة لو تحالف الفساد مع الفقر والجهل ولو تحالف مع الفوضي وغياب الديمقراطية وغياب القانون ونشاط العصابات اياها التي تعبث بكل شيء وفي كل مجال بالتأكيد اجتماع الفساد وأي من تلك العناصر يمثل نكبة كبري ويجعل معارك التقدم والتنمية صعبة للغاية.
قد يسأل سائل وهل تعاني الدول المتقدمة من الفساد أم انه حالة خاصة بالدول الفقيرة والمتخلفة؟!
الجواب بالتأكيد الفساد أزمة وحالة إنسانية يسري في كل القطاعات التي تسمح له بالحياة وتمنحه الرعاية وتزوده بالوقود لينمو ويترعرع حتي يصبح غولا وتحسب ان لن يقدر عليه أحد البيئة هي التي تسمح للفساد بأن يزداد ويتمدد بلا خجل وتمنع جهود المقاومة والمكافحة من ان تؤتي أكلها تكشف التقارير الدولية المعنية بالفساد عن تعثر جهود مكافحة الفساد في معظم دول العالم.. علي سبيل المثال يكشف مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية ان الولايات المتحدة الأمريكية يضربها الفساد أيضا وتراجعت فيها جهود المكافحة فقد حصلت الولايات المتحدة الأمريكية علي 71 درجة لتسجل تراجعا بأربع نقاط منذ السنة الماضية خرجت فيها من مجموعة الدول العشرين التي تتصدر المؤشر لأول مرة منذ عام 2011 وتأتي هذه الدرجة المتدنية في فترة تشهد فيها الولايات المتحدة مخاطر تهدد منظومتها القائمة علي الضوابط والتوازنات وتدهور المعايير الأخلاقية في أعلي مستويات السلطة وفقا لما جاء في بيان المنظمة.
رئيسة منظمة الشفافية الدولية ديليا فيريرا روبيو قالت: تظهر أبحاثنا وجود علاقة واضحة بين وجود ديمقراطية سليمة والنجاح في مكافحة الفساد في القطاع العام وأنه يمكن للفساد ان يستشري بشكل واسع حين تستند الديمقراطيات إلي أسس هشة وحين يستغل ذلك السياسيون الشعبويون والمناهضون للديمقراطية لمصلحتهم وهو ما رأيناه في عدة بلدان.
التحليل المقارن للبيانات يكشف عن وجود علاقة بين الفساد ومستوي الديمقراطية حيث حصلت الديموقراطيات الكاملة علي 75 درجة في مؤشر مدركات الفساد في حين سجلت الديمقراطيات المعيبة 49 درجة وسجلت الأنظمة الهجينة التي تشوبها بعض التوجهات الاستبدادية 35 درجة وكان أضعف معدل من نصيب الأنظمة الاستبدادية التي سجلت حوالي 30 درجة فقط في مؤشر مدركات الفساد علي سبيل المثال تراجعت درجات كل من هنغاريا وتركيا بثماني نقاط وتسع نقاط تباعا علي المؤشر خلال السنوات الخمس الماضية وفي نفس الفترة تراجع تصنيف تركيا من "دولة شبه حرة" إلي "دولة غير حرة" في حين سجلت هنغاريا أدني درجاتها علي مستوي الحقوق السياسية منذ سقوط الشيوعية سنة 1989 وتعكس التقييمات تردي الأوضاع علي مستوي سيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية كما تكشف عن تفاقم التضييق علي المجتمع المدني والإعلام المستقل في تلك الدول.
الادراك الواعي لخطورة التأثيرات الضارة للفساد علي التنمية والحركة العامة في المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وغيرها يدفع بخطط التنمية للأمام ويمنحها حصانة ضد السقوط أو الوقوع في فخاخ صعبة لا تعطلها فقط بل تقضي عليها تماما.
مصر لها تجربة ثرية في الحرب علي الفساد وقطعت أشواطا كبيرة في المواجهة وسجلت ضربات موجعة للفاسدين في مواقع مختلفة في السنوات الأخيرة وما قامت به الأجهزة الرقابية المختلفة في الفترة الأخيرة خير شاهد علي ذلك ولم يسلم من رصاصات المعركة مسئولين كبار وزراء ومحافظين ونواب محافظين وغيرهم من كبار الموظفين ممن كانوا يظنون انهم يتمتعون بحصانة او انهم في مأمن من ان تقترب منهم عصا الرقيب أو ان يقعوا تحت طائلة القانون تحت مظلة محاربة الفساد والفاسدين.
مصر تقوم بدور فعال في مواجهة الفساد والحفاظ علي المال العام واسترداد حق الدولة من خلال استراتيجيات واضحة المعالم مدعمة بقواعد قانونية وتشريعية واجهزة وهيئات رقابية متعددة وقوة للتنفيذ والحماية ايضا وهي لاتعمل في فراغ ولكن بشكل متسق ومتكامل مع الرؤية العالمية لمكافحة الفساد خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد "والتي جرمت حالات الفساد وحددتها في الحالات التالية":
* رشوة الموظفين العموميين الوطنيين والموظفين العموميين الأجانب وموظفي المؤسسات الدولية العمومية.. اختلاس الممتلكات او تبديدها او تسريبها.. المتاجرة بالنفوذ.. إساءة استغلال الوظائف.. الإثراء غير المشروع.. الرشوة في القطاع الخاص.. اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص.. غسل العائدات الاجرامية.. الاخفاء.. اعاقة سير العدالة.
لذلك تأتي اهمية دعوة مصر التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الافريقي لكل الدول الافريقية وعرض التجربة المصرية في مكافحة الفساد الي جانب بحث ودراسة الابعاد الاخري لقضايا الفساد وخصوصيات الوضع الافريقي الذي ينخر الفساد في كثير من ارجائه خاصة بعد تأكيد الاتحاد الافريقي ان حجم الاموال المهربة من افريقيا بطرق غير مشروعة بلغ 1.8 تريليون دولار والتي تفوق حجم المساعدات المالية المرصودة لتنمية القارة وتخفيف حدة الفقر والجوع والأوبئة وتفوق ايضا حجم مديونية القارة.
وايضا ما اشار اليه رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي موسي فقي من ان الفساد يكبد افريقيا حوالي 50 مليار دولار سنويا وان كافة الدول الافريقية معنية بهذه الأفة بطريقة او بأخري وبدرجات متفاوتة.
تبقي مجموعة من العلامات المهمة علي الطريق لمواجهة الفساد والخاصة بقضية التربية عموما وثقافة رفض الفساد ومقاومة موجات اليأس من المواجهة واشاعة ثقافة التعايش مع الفساد ودع الامور تسير.
لا ننسي ان المواطن هو حجر الزاوية والنقطة المحورية في الحرب علي الفساد منه يبدأ الفساد وعنده ينتهي ايضا. وهذه مسألة مهمة افريقيا ويجب ان تحظي بعناية اكبر عما يحدث في اي مجتمعات اخري وذلك بسبب التعايش طويل المدي في كثير من الدول مع الفساد وتغول وتوغل الفساد وتسلله الي مناخ كثيرة في الحياة حتي ظن الناس انهم لايستطيعون تسيير امورهم الا بالفساد وانه لابد ان "يبرز كي ينجز" في كل صغيرة وكبيرة.. زد علي ذلك تعدد وتنوع اشكال واصناف الرشاوي اذ لم تعد مقصورة علي المال فقط بل امتدت الي امور مشينة ومهينة وفي الاشارة ما يغني عن العبارة.
من هنا تأتي اهمية تحالف الارادتين السياسية والشعبية في المعركة المصيرية ضد الفساد.. هذا التعانق هو الضمانة الحقيقية لنجاح اي جهد في سبيل وأد غول الفساد الرهيب.
والله المستعان