نبض الشارع
يتغير الناس في أول رمضان.. ويعودون إلي ما كانوا عليه في آخره..
في الأيام الأولي للشهر الفضيل تري التقوي والصلاح والبشاشة علي الوجوه والابتسامات علي الشفاه.. ويمتلئ الموبايل برسائل التهاني وصور الفوانيس وفيديوهات الأدعية.. ويشمر كل منا عن ساعده فتمتلئ المساجد وتفتح المصاحف وتهدأ النفوس.. لكن للأسف سرعان ما يتبدل الحال ويتغير يوماً بعد يوم.. فتختفي علامات الصلاح والتقوي. وتغيب الابتسامة. وتفرغ المساجد. وتعود ريما إلي المعاصي وإلي عادتها من الشحناء والبغضاء والنزاع والصراع علي دنيا ومكاسب زائلة. وكأن لرمضان رباً مختلفاً عن رب شعبان وشوال.
في كتاب "مدارج السالكين" للإمام ابن القيم مجموعة كبيرة من المواعظ. منها أن العبودية نوعان: عامة. وخاصة. فالعبودية العامة: عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله. برهم وفاجرهم. مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القهر والملك. قال تعالي: "إن كل من في السماوات الأرض إلا آتي الرحمن عبداً".. والنوع الثاني: عبودية الطاعة والمحبة. قال تعالي: "يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون".. ويقول: إن الإنصاف في معاملة الله: أن يعطي العبودية حقها وألا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له: من العظمة والكبرياء والجبروت ومن إنصافه لربه: ألا يشكر سواه علي نعمه وينساه ولا يستعين بها علي معاصيه ولا يحمد علي رزقه غيره ولا يعبد سواه.
ويقول: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده. وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده. حتي في الأعمال. من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق. فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده. فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك. وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم.
ويقول ابن القيم: إن الفرح بالمعصية دليل علي شدة الرغبة فيها. والجهل بقدر من عصاه. والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها. وفرحه أشد ضرراً عليه من مواقعتها. والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً. ولا يكمل بها فرحه. بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه.. ويفسر الضنك في قوله تعالي: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا" فيقول: فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر. والصحيح أنها في الدنيا وفي البرزخ. فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله. فله من ضيق الصدر. ونكد العيش. وكثرة الخوف. وشدة الحرص والتعب علي الدنيا. والتحسر علي فواتها قبل حصولها وبعد حصولها. والآلام التي في خلال ذلك. ما لا يشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر.. وأن اتباع الهوي يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه أبداً. والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.. اللهم آمين.