معا للمستقبل
* هل يمكن أن نأخذ التسريبات الأخيرة التي تشير إلي اعتزام إدارة ترامب تصنيف جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي علي محمل الجد ..وهل أمريكا جادة هذه المرة في مسعاها وموقفها من جماعة الإخوان..وهل لهذا التوقيت دلالة معينة في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد يوحي بأننا مقبلون علي حرب قد تندلع بين لحظة وأخري بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية وبين طهران وأشياعها من ناحية أخري..أم أنه تصعيد مظهري غرضه إبقاء المنطقة علي صعيد ساخن لجني المزيد من المكاسب وابتزاز العرب الذين هم الخاسر الأكبر مما يجري حولهم..؟!
* ثمة آراء تؤكد أن ما يفعله ترامب الآن ليس هدفه بالقطع توريط أمريكا في مزيد من الحروب الخاسرة. مستندين إلي تصريحاته وبرنامجه الانتخابي الذي حاز به ثقة الناخب الأمريكي وعبر من خلاله إلي سدة الحكم في البيت الأبيض» فالرجل كان واضحاً منذ البداية وأنه ما جاء إلا لينهي عهود التدخلات والحروب العسكرية الأمريكية في مناطق عدة من العالم وعلي رأسها بالقطع المنطقة العربية التي تورط أسلافه في حروب أضعفت أمريكا وهزت صورتها في العالم كله..فكيف ستحارب أمريكا إيران وهي التي استغاثت بها قبل سنوات للخروج من مستنقع العراق..؟!
ما يجري في رأيي هو مسرحية مكشوفة هدفها تحضير العفريت الإيراني للعرب حتي تضخ مزيدا من الأموال في خزائن ترامب الذي لا يشبع..ودليلنا علي ذلك تصريحات ترامب العلنية التي لا يخجل فيها من المطالبة بالدفع حتي تتوفر لهم الحماية اللازمة في مواجهة الخطر الإيراني المزعوم.. والمستفيد الأول هو أمريكا وربيبتها إسرائيل!!
نعود إلي تسريبات الإدارة الأمريكية بشأن الإخوان..لنتساءل عن مدي جديتها خصوصاً في ظل علم أمريكا والغرب بدلائل قوية تؤكد كلها ضلوع تلك الجماعة في أعمال عنف وتخريب في كثير من البلدان العربية وحتي الأوروبية. فهي داعمة بل منبتة لجماعات العنف والمتطرفين حول العالم بالفكر تارة وبالأموال تارة أخري تحت سمع وبصر أنظمة دول وحكومات لا تخفي تأييدها لهذه الجماعة وغيرها من الجماعات المسلحة مثل تركيا وقطر وإيران.
المدهش حقاً أن الإدارة الأمريكية تخرج علينا بين الحين والآخر لتعلن في جرأة تُحسد عليها أنها جادة في محاربة الإرهاب وتنظيماته في العالم كله رغم أن داعش وأخواته مثلاً تشكّل وترعرع وعاث في بلاد العرب فساداً وتدميراً بعلم أمريكا وتحت بصرها بل ورعايتها ودعمها اللا محدود ومن ورائها إسرائيل بشهادة الغرب نفسه.
تسريبات أمريكا هذه المرة توحي بأنها ترفض نهج جماعة الإخوان الإرهابية وما تفعله الدول الداعمة لها ولغيرها من تنظيمات العنف والتطرف هنا وهناك وما تغدق بها عليها من جميع أشكال الدعم. مالياً ولوجيستياً.. لكن مثل هذه التسريبات ستظل ضرباً من ضروب الحرب الكلامية متعددة الأغراض ما لم تترجمها إدارة ترامب إلي أفعال ملموسة علي الأرض تقطع دابر الإرهاب وتجتثه من جذوره حتي لا يُترك كما هو الآن يمارس العنف والقتل والتدمير بدعم واضح من دول بعينها تمارس الدور نفسه وتحاول إقناعنا بأنها جادة في محاربته في ازدواجية ممقوتة يكاد المرء يحتار من شدة فجاجتها.
فكيف تدعي بعض الأطراف ظاهراً أنها تحارب الإرهاب بينما هي باطناً توفر له الدعم وكافة مقومات الحياة .. ولو سألت من صنع داعش ومن أمده بالتمويل والمعلومات والعتاد وسهل له الانتقال بمنتهي الأريحية وفي وضح النهار من بلد عربي لآخر لقيل لك إنها الدولة الفلانية ومن ورائها الدولة العلانية ..لكن ما يقال في المؤتمرات وتحت قبة المحافل الدولية شيء وما يجري علي أرض الواقع شيء مناقض له تماماً وهي لعبة سمجة مكشوفة وبلطجة يمارسها البعض دون حياء أو ضمير استغلالاً للضعف والوهن الذي عليه بعض بلداننا للأسف.
لقد جري تسريب وثيقة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقول بوضوح وجرأة إن "الإخوان جماعة متشددة انبثقت منها كل الحركات المتطرفة. وأنها - أي الإخوان- أخرجت آلاف المتشددين الذين تورطوا في عمليات إرهابية عنيفة. وأن جميع التنظيمات الراديكالية المتشددة نهلت من كتابات سيد قطب الذي تحول إلي مرجع ديني التف حوله المتشددون.
الوثيقة التي يعرفها القاصي والداني أشارت كذلك إلي الدور الخطير الذي يلعبه يوسف القرضاوي بين صفوف جماعة الإخوان لنشر أفكارها الخبيثة والهدامة.
هناك أيضاً عدد لا بأس به من الدراسات والوثائق والأحكام القضائية وشهود بارزون يؤكدون صحة هذه الوثيقة فيما يخص جماعة الإخوان الإرهابية وانتهاجها للعنف والتشدد حتي المنشقون عن جماعة الإخوان وغيرها من تنظيمات العنف والتطرف أكدوا بما لا يدع مجالاً لأي شك أن نهج الإخوان لم ولن يتغير مهما يدعوا غير ذلك أمام العالم..فالجماعة منذ أنشأها مرشدها حسن البنا عام 1928 عرفت طريقها إلي دوائر السلطة أيا ما تكن طبيعتها وشخوصها. ودارت في فلكها عبر تكتيك براجماتي مراوغ تتقارب من خلاله تارة مع الحكم في العلن وتتآمر في الخفاء تارة أخري.
وهي في كل الأحوال تسلك مسلكاً انتهازياً يعلي صالح التنظيم علي كل ما سواه حتي لو كان الصالح العام للوطن الذي لا يعدو في نظرهم سوي مجرد حفنة تراب عفنة لا قيمة لها.. فماذا ننتظر من تلك الجماعة التي لا تتورع عن انتهاز الفرص وركوب الموجة ومراوغة كل الأنظمة ومداهنة الرؤساء ثم الانقلاب عليهم.
ولم يكن مستغربا والحال هكذا أن يقدم النقراشي باشا رئيس وزراء مصر أيام الملكية علي حظر هذا التنظيم ومصادرة مقراته وممتلكاته لأول مرة ثم جاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ليزج بهم في السجون ويحول دون ممارستهم للسياسة بعد أن كشف ألاعيبهم حتي جاء السادات ليخرجهم من السجون و يمنحهم قبلة الحياة ويطلق أيديهم في السياسة في مواجهة الناصريين وأهل اليسار لكن هذا التيار سرعان ما اغتاله بدم بارد في يوم احتفاله بذكري انتصارات أكتوبر العظيمة.. مبارك فقد هادنهم تارة وضيق عليه الخناق تارة أخري حتي خرجت ضده احتجاجات يناير 2011 التي ركب الإخوان موجتها واستلموا في أعقابها سدة الحكم الذي لم يستمروا فيه سوي عام واحد ثار عليهم بعده الشعب الذي ضاق بهم ذرعا.ً وأصر علي إزاحتهم عن الحكم في 30 يونيو 2013.
التاريخ يؤكد أن الإخوان جماعة دأبت علي تقسيم الشعب المصري وتشويه ثقافته وطمس هويته.. كما أثبتت التجارب أن الإخوان جماعة لا عهد لها ولا ذمة.. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نعيد التذكير بما قاله المستشار عماد أبو هاشم القاضي السابق وحليف الإخوان الذي انشق عنهم موجهاً رسالة للمصريين بقوله: "لا تنخدعوا بكل من يتستر بالدين ولا تقعوا في الفخ الذي وقعت فيه وأدفع ثمنه غالياً لكن ما يهمني رغم ما أتلقاه من تهديدات تصاحب وجودي في تركيا هو الكشف عن حقيقة هذه الجماعة المارقة وأعضائها الذين يتلذذون بالكذب والافتراء علي مصر وشعبها".
أبو هاشم أكد أن الإخوان جماعة تتستر بالدين وترفع شعار "الإسلام هو الحل" لكنها ترتكب كل الموبقات داخل الغرف المغلقة. وتقترف الفواحش والمصائب السوداء. وأن هذه الجماعة كل أعضائها أفاكون لا يعرفون غير ترويج الشائعات والخزعبلات وإشاعة الأفكار الضالة لنشر الفوضي في مصر وضرب اقتصادها. وهم بذلك يفوقون أعداء مصر التقليديين.. ثم انتهي إلي وصفها بأنها الخطر الأكبر علي مصر والأمة والعالم كله. فهي جماعة سافلة- علي حد قوله- تتمني إحراق مصر والمصريين كلهم بل إن الرجل ذهب لأبعد من ذلك حين قال: "أنا علي يقين أن هذه الجماعة عنصرية عدائية تحارب مصر والعرب والإسلام وتعادي أي قومية أو رابطة غير رابطة الإخوان . فهم لا يؤمنون لا بمصر ولا بالعروبة بل يؤمنون فقط بجماعتهم وكل ما خارجها فهو عدو. معتبرين أنفسهم شعب الله المختار وكأن الدين حكر عليهم".
وإذا كانت جماعة الإرهابية بكل هذه الخطورة فلماذا يقف العالم ومنظماته متفرجاً .. بل الأدهي لماذا تحتضنها دول بعينها حتي في الغرب نفسه.. لماذا يغض المجتمع الدولي الطرف عمن يدعمون الإرهاب وجماعاته جهاراً نهاراً مثلما يفعل أردوغان البلطجي التركي بتمويل جماعة الإخوان وتنظيمات الإرهاب سواء في سوريا أو ليبيا أو غيرهما بصورة علنية دون أن يحرك ذلك المجتمع الدولي ساكناً أو يوقف أفعاله العدائية في المنطقة.
لاشك أن مصر لم تعرف علي مدي تاريخها العريق شيئاً كالذي تعانيه اليوم علي أيدي بعض أبنائها من التيارات المتأسلمة الذين يجري توظيفهم- بقصد أو دون قصد- في تحقيق أجندات الغرب ومآربه ..فثمة من يمول ومن يحرض ضد إرادة مصر وشعبها.
والسؤال: ألا يعلم المجتمع الدولي وعلي رأسه أمريكا أنه لا سلام ولا استقرار ولا نهاية للإرهاب دون تكاتف وإرادة حقيقية من الجميع لكتابة كلمة النهاية لذلك الإرهاب الخبيث الذي لا يفرق بين دولة وأخري.. لابد من كشف من يمولونه ومن يوفرون له الدعم بكافة أشكاله ومن يمدونه بالمعلومات الاستخباراتية.. والأهم هو إيجاد حل عادل وكامل للقضية الفلسطينية. وإيجاد حل سياسي لجميع النزاعات المسلحة والصراعات التي تدور رحاها في دول الجوار بفعل فاعل.
وإذا كانت أمريكا صادقة حقاً في محاربة الإرهاب فعليها أولا أن تفي بوعدها بإدراج جماعة الإخوان علي لوائح الإرهاب.. أما الدفع باتجاه الحرب ضد طهران فإنه سيناريو مكشوف أرادت به أمريكا ابتزاز العرب.. وفي كل الأحوال فإن الحرب لن تكون نزهة سهلة بل ستكون إذا وقعت لا قدر الله وبالا علي المنطقة العربية وعلي العالم كله.. وليتذكر ترامب وإدارته إلي أي مدي كان الخروج من العراق وأفغانستان مؤلماً وصعباً.