رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

الأوقاف تسترد عافيتها واعتبارها من جديد

ليست هذه المرة الأولي التي يتحدث فيها الرئيس السيسي عن الأوقاف وأهمية العناية بها وتطويرها وحمايتها.. وكم من لقاءات عقدها مع وزير الأوقاف د.محمد مختار جمعة سواء منفرداً أو بحضور رئيس الوزراء أو عدد من الوزراء وثيقي الصلة بالاستثمار والتخطيط لمناقشة وضع الأوقاف وكيفية حمايتها وتعظيم استثماراتها.

في مقال الخميس الماضي اثرنا قضية دور الأوقاف في إثراء الحركة الثقافية والاسهام في تنمية الوعي الحقيقي وتصحيح الأفكار المغلوطة عن الإسلام.

في لقائه منذ يومين بوزير الأوقاف كانت توجيهات الرئيس بضرورة العناية بالنشر الثقافي والارتقاء بالمستوي العلمي للأئمة والخطباء وتعظيم الافادة من الأوقاف واستثماراتها بما يعضد خطط التنمية الوطنية الشاملة..

الحقيقة الموضوع بالغ الأهمية نظراً للدور الحيوي الذي تلعبه الاوقاف عموما ليس فقط في عملية التنمية والارتقاء بالمجتمع ولكن للبصمات التي تركها الوقف في بناء الحضارة علي مدي التاريخ الاسلامي.وفي فترة الازدهار الاسلامي كان الوقف هو السيد والقائد والحادي والمؤسس للمشروعات العملاقة في كافة مناحي الحياة ليس فقط الدينية كما يتوهم أو يتخيل البعض من قاصري النظر وقراءة سريعة لتاريخ الحضارة الإسلامية في كل العصور تضع المرء أمام علامات ومنارات شامخة للوقف في مجالات التعليم بكل مراحله ورعاية النوابغ وفي الصحة وخاصة المستشفيات ورعاية المرضي وفي الاقتصاد الوطني وإقامة المشروعات الإنتاجية والمعاهد الصناعية والمشروعات الصغيرة والقروض الحسنة وكان للوقف القدح المعلي في تلك الأمور يعضدها بنظام رائع للرعاية الاجتماعية للمحتاجين والفقراء ومحدودي الدخل وغيرهم.

ولعل الثروة الهائلة التي آلت الينا ووضعنا ايدينا عليها في العصر الحديث خير شاهد علي ذلك ولا تزال مقولة ان الاوقاف هي الاغني بين هيئات وحتي الوزارات سائدة وراسخة رغم الطعنات الكثيرة التي لحقت بالوقف وحملات السلب والنهب المنظمة والخطط الجهنمية التي كانت تستهدف تصفية الوقف والقضاء عليه والحمد لله لم يتمكن احد من ان ينال من الوقف أو أن يخمد جذوته في المجتمع.

صحيح أصيب نظام الوقف بطعنات قاتلة إلا أن العمل الخيري ظل مستمراً وخاضعاً للاجتهادات الفردية والقدرات الشخصية وقوة الدفع الخيرية لكل منطقة ورغبتها في المشاركة العامة وتحقيق المنفعة الخاصة للمجتمع الصغير..حتي وصلنا إلي مرحلة فوضي العمل الخيري والتي شهدت موجات متفاوتة في الحجم والقوة وامتطي ظهرها جماعات وجماعات نجحت في استغلال الظروف وفي النفاذ إلي أغراضها أيا كانت مستثمرة حالة ضعف الدولة ورخاوتها أو انسحاب الحكومات المتعاقبة من ميدان الخدمات الجماهيرية الكبري خاصة في الصحة والتعليم والمساعدات الانسانية.

حدث هذا في ظل اهمال متعمد وحالة من الصمت المزري علي استباحة أصول الأوقاف الحقيقية والعبث بها والتربح منها وتكونت فئات طفيلية لم تعرف معني حرمة مال الله.. من هنا ندرك مدي أهمية تلك الخطوات التي يرعاها الرئيس السيسي في عملية رد الاعتبار لأموال الوقف وضرورة وضع الاطر اللازمة والكفيلة بإزالة كل التعديات علي أراضي وأموال الأوقاف بكل أنواعها.

وفي هذا الاطار نجحت وزارة الأوقاف وبمتابعة دؤوبة من الوزير د.مختار جمعة باعتباره ناظر الوقف في ان يصدر الاطلس الشامل للأوقاف في كل المحافظات وهو كما يقول البعض استخرج شهادة ميلاد جديدة وأصدر رقماً قومياً لكل وقفية في بر مصر مهما كانت كبيرة أو صغيرة وذلك بالتعاون مع هيئة المساحة المصرية الأمر الذي أعطي ثقلاً كبيراً ومصداقية لهذا العمل الجبار والذي صدر مؤخرا في قرابة التسعين مجلداً بالصور التي تبرز الحدود الجغرافية لكل قطعة في أملاك الأوقاف.

الأطلس يضم حجج ووثائق الملكية والذي سيأتي يوم القيامة شاهدا لمن قام به- علي حد تعبير وزير الأوقاف- لأنه يحافظ علي الوقف ويوثق اسم الوقف ونوعه ورقم ملف حجة الملكية وسيتم تسجيل قيمة القطعة والوقفية وقيمة عائده وموعد دفع إيجاره ويجري التحضير لذلك في المرحلة الثانية ليتحول إلي خريطة استثمارية وتوثيقية.

يكفي ان نعرف ان حجم ممتلكات الاوقاف قدرت بقيمة تريليون و37 مليار جنيه وهذه الثروة المهولة مسجلة في وثائق كالتالي: 114 ألف قطعة وقفية ما بين أراض زراعية وفواكه وعقارية وإدارية 500 ألف فدان أطيان زراعية. وجناين وأرض محصولية منها تحت يد الهيئة 110 ألاف فدان زراعي لصغار المزارعين وهناك 48 ألف فدان بشرق العوينات منها 20 ألف فدان تزرع و28 متوقفة حفاظا علي المورد الجوفي ويضاف إليها 7 آلاف فدان فواكه وحدائق أبرزها مزرعتا رمسيس وإنشاص المنتزع ملكيتهما من أسرة الملك فاروق وبين الممتلكات جزء يشمل نزاعاً مع محافظات كفر الشيخ ودمياط والدقهلية في قطعتي وقف إحداهما عملاقة تمثل ثلثي ممتلكات الأوقاف بمساحة 420 ألف فدان وهي وقف مصطفي عبدالمنان وهو وقف ممتد كقطعة واحدة في الـ3 محافظات ويشمل مدناً كبيرة كرأس البر ودمياط الجديدة وميناء دمياط ووقف سيدي غانم الأشعري بكفرالشيخ.

أمام هذا القدر الكبير لأموال الوقف لم يكن مستغربا أن تكون التعديات عليه فظيعة وما أمكن حصره حتي الآن وفقا لبعض التصريحات الرسمية قدر حجم التعديات بنحو 37 ألف حالة تعدي. أبرزها أرض نادي الزمالك علي مساحة 90 ألف متر. ومدينة دمياط الجديدة وميناء دمياط. ووقف سيدي كرير بمساحة 27 ألف فدان بالساحل الشمالي. وتتنازعه هيئة الأوقاف مع هيئة المجتمعات العمرانية ومحافظة الإسكندرية ووقف مصطفي عبدالمنان بمساحة 420 ألف فدان ممتد في محافظات الدقهلية ودمياط وكفر الشيخ وتتنازع الهيئة مع المحافظات الثلاث عليه. فضلا عن أرض ميناء دمياط. والطريق الساحلي ومشروع المنصورة الجديدة المتوقف وقصور وحدائق خديوية مهملة وقصر الأمير محمد علي بالمنيل. وشارع سوق السلاح وفاطمة النبوية والقصبة الجنوبية للقاهرة الخديوية. وقطع خديوية متعددة وقصور باليونان وقصر حافظ بدوي بكفرالشيخ وجميعها موثقة ومضمنة في الأطلس وغير مثمنة ماليا لارتفاع قيمتها المالية والتي لا تقدر بمال..

إذا كنا نجحنا في عملية الحصر وتحديد الممتلكات ونشرع الآن في عملية استثمار حقيقي للوقف بما يضمن تحقيق أعلي معدلات اقتصادية تساهم في تحقيق أهداف الواقفين وشروطهم في الوقف وبما يحقق ارتقاء منشوداً بالمجتمع يساند بصورة جادة خطط التنمية الوطنية.. فإننا امام معركة اخري لا تقل أهمية وهي إعادة النظر في ثقافة الوقف في المجتمع ليعود الوقف الحقيقي وينمو وتزداد الاصول..بمعني اضافة مساحات جديدة وآفاق أرحب للوقف تلبي حاجات وطموحات المجتمع المعاصر بكل تطلعاته وآماله. ثقافة تعيد للوقف اصالته ومجده وتزيح ما ران علي المشروع العظيم من غبار السنين أدت إلي فقدان الثقة في كثير من الأشياء وصرفت الأنظار تلقاء مشروعات أخري خبيثة تستلهم روح الوقف وقوته في الدفع نحو الاعمال الخيرية.

القضية ليست صعبة مطلقا ولكنها تحتاج إلي روح التحدي وإرادة مخلصة وحريصة علي أن تفعل شيئا لوجه الله والوطن يحفظها التاريخ ويقدمها لكل الأجيال عبر العصور.. والله المستعان..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة