رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالحسنى

لأنه سبحانه نظم كونه تنظيماً دقيقاً بعدل لا يأتيه ذرة من جور ومساواة لا يقدر عليها إلا قادر حكيم فلا تجد في دنيا الناس عطاء إلا مقابله سلب في جهة أخري فالجميع متساوون في العطايا والنعم الإلهية لكنهم مختلفون في نسب هذه العطايا فمن رزقه بالسعادة قد يكون محروماً من السعة في الرزق. ومن أعطاه سعة في الرزق فقد يكون محروماً من الولد. ومن أعطاه الولد فقد يكون محروماً من الصحة وهكذا كل نعمة أو كل خير له ثمن وله مقابل وهذا ما أراد أن يقوله الكاتب الصحفي الكبير مدبولي عتمان في كتابه "حصاد الغربة.. قصص واقعية لمغتربين مصريين".
ومدبولي عتمان كاتب سياسي له فكره ورؤاه التي تتميز بعمق ثقافي وموسوعية في المعرفة السياسية وهو أمر طبيعي لدارس للاقتصاد والعلوم السياسية لم يتوقف عند مرحلة الدراسة. وإنما استمر علي منهجه هذا بعد التخرج. ونجح في اقتناص وقت للقراءة المتعمقة والمتأملة من مشاغل الصحافة وضجيجها والذي عادة ما يملأ وقت الصحفي.
لم يقع الكاتب الصحفي مدبولي عتمان في فخاخ الغربة التي عاشها سنوات طويلة وهي فخاخ تأخذ صاحبها إلي التركيز في جمع الدراهم والدنانير فيعود الزميل الصحفي بعد ذلك فلا تجده تحرك قيد أنمله إلي الأمام عن مستواه الصحفي أو الثقافي الذي سافر به. إن لم يكن قد تأخر.
نجح مدبولي في الفكاك من هذه الفخاخ ويستطيع قارئ مقاله "دائرة الوعي" الذي تنشره الجمهورية اسبوعياً أن يدرك هذه الحقيقة.
وإذا كنا قد أشرنا إلي مقاله الاسبوعي "دائرة الوعي" فإن ذلك يأخذني إلي الملاحظة الرئيسية التي توقفت عندها وأنا أقرأ كتاب حصاد الغربة وهي لغة الكتابة التي اختلفت في المستوي بشكل واضح من حيث السيطرة الواضحة في دائرة الوعي الغائبة في حصاد الغربة فربما كان همه وتركيزه في كتابه حصاد الغربة الوصول إلي الحكمة مما يكتب والعبرة التي أراد أن يصل بها للجمهور المقصود الذي لم يسافر. لذا لم تشغل مدبولي فنون القص ولا حبكاته الدرامية بقدر انشغاله بالهدف الأهم وهو سر قوله في عنوان الكتاب "قصص واقعية لمغتربين مصريين".
أهم ما في الكتاب الذي تضمن 26 قصة واقعية لمغتربين عرفهم الكاتب وتعامل معهم وعايشهم أنه كتاب ينقل واقعاً ويمنحك ما لا تراه من صورة المغترب الذي لا نري فيه إلا ما حققه من مستوي مادي وما يبدو عليه من علامات الرفاهية ورغد العيش فقط أما الجانب غير المرئي فيقدمه الكتاب حتي ليحمد القارئ الذي لم يعش هذه التجربة.. ربه لأنه لم يحدث له ما حدث.. إذن فمعظم القصص مريرة الطعم حزينة التضاريس مؤلمة النهايات.. لذا يقول في تقديمه للكتاب: "يسعي البعض للاغتراب هروبا من واقعه والبعض الآخر قد يدفع إلي الغربة دفعاً ولكن المحصلة بالنسبة للجانبين تكون مريرة وتتزايد مرارتها بتزايد سنوات البعد عن الأهل والوطن.. هناك بالتأكيد مكاسب مادية لكنها تتضاءل أمام الخسائر الأخري المتعددة الجوانب".
تلمح في الكتاب خطر انقسام الأسرة الأب في سفره والأسرة في بلدها حتي يصبح الأب بلا علاقة له بالأسرة بل غريباً عنها يستغربه الأبناء بل لا يطيقون إقامته معهم فهو بالنسبة لهم بنك يحصلون منه علي الأموال فقط. كذلك أزمات العلاقة بين الزوج والزوجة.
أما عناوين القصص فجاءت علي النحو التالي: ابني يكرهني. الأرملة التي خطفت ابني. ابني أصبح مدمناً. بنات سادجات. أولاد الشقق. لدغة صديق. الله يلعن الفلوس. ادمنت الغربة ولن أعود هموم الزوج المحرم. البهلوان يخسر دائماً. المتسامح الأكبر. غربة أم اغتراب. كما تدين تدان. دموع الشباب. الفرع المقطوع. دكتور العربيات الصحفي. العشماوي والديكتاتور. القواعد من الرجال. الغربة هدفا. من أجل ابنائي ثم أحفادي. جزاء إحسان العمل. امهات بلا أمومة وآباء بلا أبوة. ظلام ونور خيانة الأمانة. الغربة وسنينها. المغتربون في أوروبا.
حرص الكاتب في كل هذه القصص أن تتناول كل قصة جانبا من آثار الغربة يختلف عما تناولته بقية القصص كما حرص أن يكون شديد الواقعية ولم يفته أن يقدم جانبا من آثار الغربة في بلاد مختلفة عنا في أديانها وقانونها وعاداتها وتقاليدها وجاء ذلك علي سبيل المقال وليس القصة وهو مقال أخذ طابع مقالاته السياسية.
تحية للكاتب الكبير مدبولي عتمان ونسأله مزيداً من الإبداع ونتساءل لماذا لم يجمع مقالاته السياسية في كتب؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة