بالحسنى
عندما أنشأت مصر إذاعة القرآن الكريم كان قصدها أن تكمل مهمتها الدعوية للعالم. فإذا كان الأزهر يعلم أبناء العالم الإسلامي القادمين إليه فإن إذاعة القرآن نقلت هذا العلم إلي من لا يستطيع أن يأتي. ومن أراد أن يعرف أمراً دينياً بمنهج وسطي لا زيغ ولا تطرف. كما أنها قامت بجمع القرآن مسموعا ليبقي أبد الدهر مسموعا بأصوات قرائها الأجلاء وهي مهمة جليلة تليق بمصر التي حفظت علوم الدين وحمتها من الصيام إبان مراحل الاستعمار البشع التي عاشتها الأمة العربية.
إذن كانت مهمة مصر أو مهمة إذاعة القرآن تطوعية ورسالة تؤديها مصر برضا وحب وشعور بمسئوليتها تجاه الناس كافة وبالتالي فإن أولئك الذين يبحثون عن المكاسب المادية من قبل إذاعة القرآن لا يعرفون الهدف من هذه الإذاعة العظيمة جليلة القدر والمهمة. ولا يعرفون مسئوليات مصر تجاه عالمها الإسلامي وأبنائها المصريين.
أقول هذا بمناسبة ما ابتدعه البعض من فرض رسوم تقدر بـ 7 آلاف جنيه علي المساجد التي تدعو إذاعة القرآن الكريم لنقل أمسيات دينية منها. وهي أمسيات كانت تجمع أبناء القرية الواحدة والقري المجاورة علي علماء حضروا خصيصا ليحدثوا الناس في أمر دينهم وقراء قرآن ذوي أصوات رخية تلهج بآيات الذكر الحكيم ومنشدين عباقرة في الشدوه يمدح رسول الله - صلي الله عليه وسلم - والابتهال إلي الله سبحانه وتعالي.
وقد كتبت في العام الماضي أحذر من هذا المسلك الذي يشتري بآيات الله ثمنا قليلا ونحن مأمورون بأن نبلغ عن الله ولو آية ويدعو رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لمن يعي مقالته وينقلها لمن لم يسمعها بنضارة الوجه "نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فنقلها إلي من لم يسمعها".
وبينما دعاه الإلحاد ينفقون الغالي والرخيص ليفسدوا علي الناس دينهم ويشككونهم في ثوابته بل يدعوه بعدم وجود الخالق جل في علاه نجد إذاعة القرآن تفرض الرسوم علي دعوة الناس في القري والمدن البعيدة إلي الصلاح عبر الأمسيات الدينية.
كانت إذاعة القرآن الكريم تتصور أن القري والمدن ستقبل عليها تدفع رسوم السهرات فتمتلئ خزينة الإذاعة بالأموال إلا أن النتيجة جاءت مخيبة لتوقعاتها فانصرف الناس عن هذه الأمسيات لا بخلافهم وإنما اعتراضا علي المنهج الغريب والشاذ في الدعوة إلي الله ففوجئنا بالإذاعة التي لديها برنامج مخصص له وقت وزمن لا تجد مسجدا تنقل منه سهراتها فاتجهت إلي مساجد آل البيت تنقل منها هذه السهرات التي لا يحضرها الكثير. فضلا عن أن المسجد به علماؤه وأن القاهرة بها جامعة الأزهر فضلا عن المساجد الكبري التي بها من العلماء ما بها كأننا "نطبل في المطبل" أو نحرث في المحروث. وأصبحت الإذاعة في مأزق غريب وبدلا من أن تتراجع عن قرارها هذا وتعود إلي جادة الصواب أخذتها العزة بالإثم وظلت علي موقفها.
فمن يقنع إذاعة القرآن أنها إذاعة خدمية وليست إنتاجية أو كسبية..؟ ومن يقنع صاحب قرار الرسوم أنه لا يصح أن تتعامل مع العلوم الدينية بهذا المنطق ومن يعيد مؤسساتنا الإعلامية إلي مقاصدها التي أرادتها لها مصر.