رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالحسنى

لولا أهمية الرائد والأستاذ والمعلم والقدوة في صناعة الإنسان خلقياً وحضارياً لكي يكون أهلاً لخلافة الله في أرضه. وإعمارها كما أمره سبحانه وتعالي "واستعمركم فيها".. أقول لولا أهمية القدوة في هذه الصناعة لجعل الله سبحانه وتعالي الرسل مجرد حملة رسالة لا يختلفون في شيء عن أقوامهم يسلمونهم ما حملوه ليس إلا سواء أكان نصاً مكتوباً أو منقولاً شفهياً أو أن يرسل ملائكة تلقي علي الأقوام رسائل الله إليهم كما طالب بعض المعاندين في حججهم للهروب من تبعات التكذيب وفي تعليلهم الانحرافي لتكذيبهم فقال تعالي: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نري ربنا" أو كلف الله كبراءهم بالرسالة ما دامت القضية توصيل فقط "وقالوا لولا نزل هذا القرآن علي رجل من القريتين عظيم".

لكن المولي سبحانه وتعالي أرسل رسلاً جعل فيهم مواصفات الأستاذ القادر علي التبليغ بالقول والفعل الداعي إلي الخير والفاعل له في الوقت ذاته كما أرسله من جنس البشر ومن نفس القوم حتي يكون نموذجاً حياً للمبعوث إليهم من شأنه أن يؤثر فيهم وكانت تربية السماء لهؤلاء الأساتذة علي مواصفات الأستاذ وعندما نتأمل قوله تعالي في سورة القلم عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه "وإنك لعلي خلق عظيم" أفهم منها أن الله سبحانه وتعالي وهو يخبره بأنه ليس مجنوناً كما قالت قريش وهي آية سابقة لهذا التكريم حيث قال "ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة بربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلي خلق عظيم" كأن الله يقول له كيف تكون مجنوناً ــ كما يزعمون ــ وأنت إعدادي وتربيتي. لذا نجد المصطفي صلوات الله وسلامه عليه يقول "أدبني ربي فأحسن تأديبي" وعندما يقول له "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً عليظ القلب لانفضوا من حولك" فهو يعلمنا مواصفات الرائد والأستاذ التي من شأنها أن تعلم وتجمع ولا تشتت وتستألف القلوب لا تنفرها كما يضيف مواصفات أخري في قوله "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر" انها مواصفات الأستاذ الذي يجب أن نعده لم يكن رسولنا وحده من رباه ربه وأدبه وإنما نجد جميع الرسل شملتهم هذه التربية فنجده سبحانه يخاطب سيدنا موسي وهو يكلفه بالرسالة ويطمئنه بأنه قد تم إعداده لتحمل المسئولية والقدرة علي التبليغ وتأليف القلوب والاقناع والمثابرة في ذلك فيقول له في سورة طه: "وألقيت عليك محبة مني ولتصنع علي عيني" ثم يقول له "ثم جئت علي قدر يا موسي واصطنعتك لنفسي" فلابد للأستاذ أن يكون مقبولاً محبوباً وهو ما كان في سيدنا موسي كما صنعه الله كذلك حين ارسله إلي فرعون علمه كيف يكون التبليغ في قوله "فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشي" هو نفس ما جاء في قوله "فبما رحمة من الله لنت لهم" بالنسبة لسيدنا محمد.
ونستطيع أن نقول أيضا إن الأستاذ في أي مجتمع علامة.

أما سيدنا إبراهيم عليه السلام فقد تحدث القرآن عن إعداده ليكون "إبراهيم الذي وفي" وليكون أمة "إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفا ولم يك من المشركين" فنجده يقول "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين" ويقول "ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين" والاصطفاء هو الاختيار والتصفية والرشد هو الحكمة والهداية ويقول: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب" ويقول "اجتباه وهداه إلي صراط مستقيم" وهذا إذا تتبعنا الرسل جميعا بل إذا تتبعنا المصلحين في العالم نجدهم ذا إعداد وتربية خاصة أهلتهم ليعلموا الناس ويبثوا فيهم من القيم ما يصلح الأمم وينهض بها.

من هنا فإننا نستطيع أن نقول: إن صلح الأستاذ صلح المجتمع كله. من تعلم منه ومن لم يتعلم لأن من لم يتعلم منه سينقل صلاحه ورقيه ممن تعلم فكما أن الفساد يعدي فإن الصلاح يعدي أيضا.

ونستطيع أن نقول أيضا ان الأستاذ في أي مجتمع علامة علي تحضره فكلما وجدنا الأستاذ مقدراً في قمة الهرم الاجتماعي يتم إعداده الإعداد الذي يليق به وبمكانته ويتم اختياره بعناية فائقة فإننا نستطيع أن نحكم علي أمة كهذه بأنها أمة في قمة السلم الحضاري وأن لم تكن كذلك فإنها تكون في طريقها إلي هذا.

ونستطيع أن نقول إن الأمم لا يمكن أن ترتقي وتحمي رقيها وتحافظ عليه مهما أصابها من نوائب الزمن إلا من خلال أستاذ اجتهدت هذه الأمة في صناعته.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة