رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

* في مثل هذه الأيام ..وتحديداً قبل 108 أعوام وُلد إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي ضرب أروع الأمثلة في الزهد في المناصب و شهوات الدنيا ومغرياتها ..كما سلك نهجاً رشيداً في التعامل مع قضايا الدين والعصر والموقف من السلطة وتيارات الإسلام السياسي..وقد أرسي الإمام قيما نفتقدها في زمننا هذا» زمن الفوضي والمكايدات والصراعات والحروب المستحدثة التي تهدم الأوطان ليس بأسلحة تقليدية بل بأيدي بنيها عبر توظيف آليات حروب الجيلين الرابع والخامس والفضاء الإلكتروني حتي وصلت بلاد العرب إلي ما هي فيه اليوم من سوء الأحوال وقسوة المآلات والخيارات.
فماذا لو أن الإمام الشعراوي عاش هذه الأيام ورأي ما رأيناه وعشناه من مآسي صاحبت بل ونتجت عمَّا جرت تسميته بـ"ثورات الربيع العربي" التي أريد بها الهدم وزعزعة الاستقرار وإشاعة الفوضي الخلاقة التي بشَّرت بها كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا قبل سنوات وما صرنا فيه من ابتزاز لدولنا العربية لاستلاب ثرواتها ومقومات وجودها وإضعافها لحساب المشروع الصهيو أمريكي الذي يجعل من إسرائيل القوة المهيمنة علي المنطقة كلها وهضم الحقوق العربية وابتلاعها بمعاونة أمريكية وصمت مخزي لما يسمي بالمجتمع الدولي الذي يعاني ازدواجية ممقوتة.
ماذا كان الشعرواي سيقول لو رأي ما يحدث في سيناء من قتل وإرهاب تمارسه جماعات تتستر بالدين وتنتمي لداعش وجماعات إرهابية أخري تنحدر كلها من رحم جماعة الإخوان الإرهابية التي ترفع السلاح في وجه الشعب المصري وجيشه وشرطته. وتكفر بالدولة الوطنية وتنشر الشائعات والأكاذيب وتروج للفتن عبر منصاتها ولجانها الإلكترونية . أو عبر منظمات حقوقية مشبوهة تتلقي تمويلاً مشروطاً بتحقيق أجندات وأهداف الممولين التي لا تخفي علي ذي عينين.
جماعة الإخوان ذات انتماء عابر للحدود والقارات. لا تقيم للأوطان وزنا. ولا تعرف لها قيمة ولا حرمة. بل تكفر بالمواطنة وتتملق الديمقراطية وتراها مجرد سلم للصعود لسدة الحكم حتي إذا ما ظفرت بالسلطة لفظت الديمقراطية وتخلصت من الداعين لها والمؤمنين بها مثلما رأينا في العام الذي دان لهم فيه حكم مصر.
ماذا لو كان الإمام الشعراوي بيننا ورأي كيف تشكلت الأحزاب الدينية بعد أحداث يناير 2011 وزاحم بعضها بعضاً للوصول لمقاعد السلطة و التكويش علي المناصب وهو القائل :" أتمني أن يصل الدين إلي أهل السياسة لا أن يصل أهل الدين للسياسة"..وماذا كان سيقول إذا رأي نفراً من بني جلدتنا لا همّ لهم إلا الرفض والاعتراض علي كل شيء والتشكيك وإهالة التراب علي كل شيء وتسفيه كل رمز دون أن يدلنا واحد من هؤلاء علي أسباب معارضته ولا كيفية تصحيح مسار ما يراه هو خطأ إن كان ثمة خطأ بل إن كل ما يشغلهم هو تحقيق مصالحهم الخاصة علي حساب وطنهم. تارة برفع حناجرهم وتارة أخري بالاستقواء بالخارج.
ولا يدري هؤلاء المعني الكبير الذي أراده الشيخ الشعراوي من مقولته الأثيرة التي حفظتها الألسنة ولم تتدبرها عقولهم حيث قال إمام الدعاة" "قد يثور المدنيون حتي ينهوا ما يرونه فساداً. ولكن آفة الثائر من البشر أنه يظل ثائراً. ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد ولا يسلط السيف علي رقاب الجميع".
كم هي مؤلمة ما تعرضه الشاشات وتتناقله الصحف والمواقع من مشاهد العنف والدم والخراب والدمار نتيجة الصراعات التي تجري علي أرض العرب والمسلمين وتديرها أطراف خارجية بين أطراف داخلية حتي تكاد تحرق الأخضر واليابس بفضل كيانات إرهابية توحشت وباتت خطراً حقيقياً يستهدف مؤسسات الجيش والشرطة وسائر أعمدة الدولة المدنية ..ولم يسأل أحد نفسه من عالمنا المنكوب بمثل هذه التنظيمات: لماذا دولنا الغنية بموارد الطبيعة والبشر ومقومات أي تقدم أو نهضة هي دون غيرها المبتلاة بمثل هذه الكوارث. وهي المفعول بها وهي الحلقة الأضعف في أطراف المعادلة..لماذا لا يجري فضح الدول وأجهزة مخابراتها المتورطة في تمويل الدواعش ومن علي شاكلتهم لإضعاف دولنا وجعلها لقمة سائغة في أفواه أعدائها وخصومها ..وهل ينقلب السحر علي الساحر وتدور علي الباغي الدوائر كما عودتنا أحداث التاريخ وعبره وسننه..أم تبقي مثل هذه الجرائم سراً محجوباً عن الرأي العام العالمي الذي آن له أن يعرف وأن يدين ويحاكم من أجرموا في حق الإنسانية ليلصقوا التهمة بالعرب والمسلمين ويشوهوا صورة الدين الحنيف البريء كل البراءة من كل تنظيمات الإرهاب مهما تدعي الانتماء إليه زوراً وبهتاناً وهي التي قدمت أوطانها لقمة سائغة لأعدائها الذين نسوا دورنا الحضاري الذي أخرج أوروبا يوماً من ظلمات العصور الوسطي إلي نور الحضارة الحديثة ..فهل تدرك شعوبنا كم ارتكبت تلك التنظيمات الإرهابية من جرائم في حق تاريخنا وحاضر أمتنا ومستقبل أجيالنا الذي قدمته لقمة سائغة لأفواه الغرب وإسرائيل وقدمت الذريعة تلو الأخري لتقسيم دولنا وتمزيق أواصر شعوبها بما استحدثته من مسميات وتقسيمات وتصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان .
ماذا كان الإمام الشعراوي سيقول لو رأي ما وصل إليه بنيان النظام العربي من تداعي هائل. بدأ بحرب الخليج الأولي ثم احتلال أمريكا لبلاد الرافدين وازداد انهياراً باندلاع ثورات الربيع العربي التي أكلت ما بقي من تماسك المنظومة العربية » فالصراعات لم تعد فحسب عربية- عربية بين دولة وجارتها بسبب ما وضعه الاستعمار من ألغام الحدود السياسية التي جري رسمها بعناية لتكريس حالة النزاع الحدودي بين الدول الشقيقة بعضها بعضاً ومنع التكامل والاتحاد فيما بينها.. بل الأدهي أنها صارت احتراباً أهلياً بين مكونات أو فصائل البلد الواحد كما يحدث اليوم في ليبيا.
اليوم نري دولاً كانت ملء السمع والبصر ثم انهارت أعمدتها وتهاوت أركانها وانفرط عقدها وتفككت جيوشها ولم يتبق إلا مصر حماها الله بفضل وعي شعبها ووطنية جيشها المتماسك. وستبقي إن شاء الله في رباط إلي يوم القيامة.
لماذا يتحاشي مجلس الأمن. وهو يملك. فضح الدول الممولة للإرهاب. الساعية لتمزيق وتقسيم العالم العربي علي أسس عرقية ومذهبية تقود في النهاية لحرب أهلية يضيع بسببها دول وتتشرد أمم وشعوب لا يمكن تبرئة دول بعينها من تنفيذ ذلك المخطط المشبوه كقطر وتركيا وأمريكا وغيرها من الدول الساعية لتدمير دول عربية وتخريبها وبث الفوضي في ربوعها ..ولولا 30 يونيو لكانت مصر واحدة من الدول التي مزقتها الصراعات والفتن.
ولن يستعيد النظام الدولي هيبته ومصداقيته إلا بإصلاح مجلس الأمن وتوسيع عضويته وكسر احتكار دول بعينها للقوة.. كما لن تنصلح أحوال دولنا إلا باستعادة قوتها الذاتية وتنمية شعوبها معرفياً وثقافياً لوضعها علي طريق المنافسة وبناء القدرات التي تجعلها في مصاف الأقوياء.. ومن دون ذلك فلا مقام لنا في النظام العالمي الجديد.
الشيخ الشعراوي كان ولا يزال الحاضر الغائب في وجدان الناس ولاسيما المتدينون المؤمنون بالوسطية. الكارهون للمغالاة في الدين والشطط والغلو والتطرف الذي يفضي في النهاية إلي خلق جماعات التكفير علي شاكلة داعش والقاعدة وغيرهما ممن ملأوا الدنيا عنفاً ودماء وقبحاً.
لقد كان الشعراوي رحمه الله جامعة وحده بما قدمه من تجديد للفكر الديني واجتهاد لم يقف عند حدود الخطاب الديني فقط.. وحين تولي أو بالأحري وُلِّي وزارة الأوقاف لم يعرف عنه أنه سعي لهذا المنصب بل إن المنصب هو الذي سعي إليه فهو المؤمن بأن من سعي إلي شيء وُكِّل به ومن دُعِي إلي شيءي أُعين عليه.
وذات مرة سأل الرئيس الراحل أنور السادات الشيخ الشعراوي وزير الأوقاف ـ وقتها ـ: هل صحيح أنك لا تجلس إلي مكتبك يا شيخ شعراوي فرد الإمام علي الرئيس بدعابة لا تخلو من مغزي : نعم .. حتي يتسني لي رؤية الناس ذوي الحاجات الذين يقصدونني كوزير مسئول .. ثم أردف : و"إذا رفدتموني ..أقول يا فكيك" !!
والمعني واضح في رد إمام الدعاة » ذلك أن الرجل قبل المنصب علي مضض وبعد طول إلحاح عليه . فلم يكن حريصًا علي الجاه ولا السلطان . لإدراكه أن الوزارة وزر ثقيل . وعبء جسيم . .. وليست كما يظنها كثيرون وجاهة ونفوذًا ومغانم..وهكذا تجلت وسطية الإمام واعتداله وسعة فهمه وجودة اجتهاداته التي نرجو لو أصبحت منهاجاً لعلمائنا اليوم..فكم كان الإمام ملاذاً التجأت إليه أفئدة الناس وسارعت إليه وسائل الإعلام تذيع أقواله وآراءه رداً علي موجة العنف والتكفير التي اندلعت بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين.. وبالفعل نزلت كلماته برداً وسلاماً علي قلوب المصريين وعقولهم فاستعادوا بها روح الدين الحق واستكانوا لتفسيراته وحبه لوطنه واعتزازه بمصريته التي صارت مضرب الأمثال حين قال رداً علي من تطاول علي مصر: " مصر الكنانة التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم أهلها في رباط إلي يوم القيامة . من يقول عن مصر إنها أمة كافرة إذن فمن المسلمون ..من المؤمنون . مصر التي صدرت الإسلام إلي الدنيا كلها . صدّرته حتي إلي البلد الذي نزل فيه الإسلام . هي التي صدرت للدنيا كلها علم الإسلام ..أما دفاعاً عن الإسلام فنعود إلي التاريخ ..من الذي رد همجية التتار عنه ؟ إنها مصر . من الذي رد هجوم الصليبين عن الإسلام والمسلمين ؟؟ إنها مصر . وستظل مصر دائماً رغم أنف كل حاقد أو حاسد أو مستغِلي أو مستغَلي أو مدفوعي من خصوم الإسلام هنا أو خارج هنا..".
هذا هو إمام الدعاة الذي لزم التذكير بفضائله وأخلاقه حتي يكون قدوة للدعاة وللساسة ولمن تبوءوا المناصب في كل زمان ومكان.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة