إلى الأمام
الدنيا كلها مشغولة برمضان والوصول اليه..الكل يستعد ويحاول ان يلتمس اليه سبيلا..وعلى قدر اهل العزم تأتي العزائم .. روائح خير كثيرة تملأ المكان وتعطر الزمان..تفيض مع فيوضات العارفين والذاهبين الى رمضان شوقا واشتياقا ..حبا واملا وطمعا في مغفرة ورضوان ومزيد ثواب واحسان..
وقفت اتأمل منهج وفلسفة واستراتيجية الذهاب الى رمضان بل وغيره من مواسم الطاعات الممتدة والمتلاحمة على مدار العام يسلم بعضها بعضا..الاقبال الروحي والاستعداد النفسي والتهيؤ الاقتصادي والعزيمة والارادة والقدرة على العمل والرغبة في الفعل والاصرار عليه والتحدي ومقاومة شياطين كثيرة اغلبها من الانس..
قلت في نفسي يفترض ان كل الاستعدادات تدفع الناس دفعا الى مزيد من تقوى وايمان او تعمل على ان يغوص الناس في بحور الايمان ويقتبسوا من نوره ويغترفوا من معينه ويرووا ظمأ كاد ان يفتك بهم على قارعة كل طريق..
ويفترض ايضا ألا تدفعهم تلك الاستعدادات واخواتها الى الخروج من الايمان او على مقتضياته او على الاقل لا تتركهم على الحافة او لا تزين لهم او تساعدهم على ان تسول لهم انفسهم امرا دون ان يركنوا الى صبر جميل..
الحقيقة ان منهج الذهاب الى رمضان لا يجب ان يتغير وفقط بل عليه ان ينحو منحى آخر يرتكز على قواعد جديدة واضحة نحو الدفع الى ترسيخ قواعد التدين الحقيقي وكفانا استغراقا في شكليات لا تسمن ولا تغني من جوع ..شكليات ضررها اكثر من نفعها.. شكليات تهدم قواعد التدين الصحيح وتزلزله في النفوس وتفتح ابواب الفتن والشرور والآثام..وتقود الى مواطن الفساد والغواية وتعبث بعقول وقلوب الحيارى ومن ضلوا الطريق ومن اتعبتهم عثرات الهوى ونزغات الشياطين ..وبعضهم وهم في ضلالات الغي يحسبون انهم يحسنون صنعا.
نريد ونحن منشغلون في غمرة الاستعداد للذهاب الى رمضان ان نسهل مهمة الدخول في الطاعة الحقيقية وان نفتح ابوابا جديدة نحو التدين الحيقيقى ونغلق ابواب التدين المغشوش وان نضع الناس ونساعدهم على الثبات على منهج وطريق التدين الصحيح .. التدين المنقذ من الضلال ..التدين الذي يصنع انسانية الانسان ويجعله يكتشف ما بداخله من كوامن الخير الانساني للعالم كله المحيط به القريب والبعيد ..التدين الذي يدفعه دائما الى الامام الى فعل الخير.والبعد عن الشر .. اي شر ..التدين الذي يحفظه من الوقوع في الرذيلة او يقربه منها..التدين الذي يصنع منه انسانا يبني ويرفع اسس حضارة تبهر العالم كما فعل الاباء والاجداد الاوائل حين كان الدين قائدهم ومعلمهم ومضرب الامثال بين كل الامم برها وفاجرها ..
اصلاح التدين هو البوابة الملكية للانطلاق في كل مناحي الحياة.. فهو شهادة الضمان الحقيقية في كل المواقع وختم الحصانة ضد الفساد والمانع من ظهور المفسدين او السماح لهم بالتمدد والانتشار باي وسيلة كانت ..هو الذي يعزز ويرسخ قواعد اتقان العمل والحرص عليه.. يؤكد الحفاظ على المال العام وحرمته وضرةرة صيانته .. يدفع الى الحرص على الوقت والانضباط وعدم التزويغ ..يمنع الاهمال ويعزز الانجاز والحرص على قضاء حوائج الناس والتيسير عليهم بكل السبل ..التدين الحقيقي وليس الشكلي او المزيف هو الذي سيمنع الرشوة ويحارب المرتشين ويكشف اللصوص والمتاجرين باقوات الشعب وبمصالح الجماهير والباحثين عن مدخل الى المال الحرام ..
اصلاح التدين هو المانع من كل انواع الانحراف على كل المستويات .. هو الداعم لنشر كل القيم والفضائل ..هو الكفيل بوأد كل الفقاعات التى ابتليت بها المجتمعات في عصر السماوات المفتوحة والفضاء الالكتروني.. هو الكفيل بامتصاص آثار وتداعيات موبقات السوشيال ميديا او وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة والتى انحرف الناس بها وخاصة الشباب الى الهاوية وجعلوها محرقة للقيم والاخلاق الفاضلة ..
اصلاح التدين لن يكون الا باعادة الاعتبار للشخص المتدين وتعظيم واحترام صلته بالله وتمسكه باهداب الدين ..
ومن ضرورات الاصلاح الجاد ان تتوقف عمليات التشويه المتعمدة للمتدينين وخاصة الشباب والا يكون التدين سبه او شبه جريمة يتوارى بها او منها كل متدين .
سؤال .. هل هناك اخطاء في الاستعداد لرمضان؟!
الجواب .. نعم اخطاء وافات مدمرة ابرزها التركيز على لزوم مالا يلزم والاستغراق في الجوانب الشكلية والمبالغة في الاحتفاء بما يصرف ويبعد عن ترسيخ القواعد الصحيحة والمبادئ القويمة او بمعنى أدق نسيان وتجاهل المقاصد الشرعية الحقيقية للعبادة في الاسلام وما شرعت من أجله .. ومن المفارقات اننا ونحن نحاول ان نعين الناس على العبادة ..نضربها في مقتل ونجعلها وكأنها عبء عليهم سواء من الناحية المادية الاقتصادية او العملية .. وكأننا نفتح بالتيسير المزعوم ابوابا للشقاء والهموم..
واتذكر في هذا الصدد القول الحكيم للعلامة فضيلة الشيخ محمد الغزالى رحمه الله :" من الخطأ تصور الاستعداد بأنه تدبير النفقات وتجهيز الولائم للأضياف.. إن هذا الشهر شرع للإقبال على الله والاجتهاد فى مرضاته وتدبر القرآن وجعل تلاوته معراج ارتقاء وتزكية ..إنه سباق فى الخيرات يظفر فيه من ينشط ويتحمس"..
آفة اخرى في الاستعداد المعاصر لرمضان والتى تقتل كل روحانية وتذهب بالنزعات الايمانية كل مذهب..انها ما اصطلح على تسميته بالدراما الرمضانية ولا اعرف لماذا ينسبونها الى رمضان! ولا علاقة للامر بالتبرك اوغيره لان الهدف هنا هو نزع البركة عن رمضان وانتزاع الروح من الاستمتاع بانوار واشراقات الايمان.فهي عملية الهاء وتسلية مقيتة في افضل الحالات.. ورغبة في الابتزاز عالية لموسم الخيرات والبركات ومحاولة للمزاحمة في غير محل او مجال..
وهذا ليس موقفا من الدراما عامة..فهي فن له دوره وتأثيره ولكننا انحرفنا به وبدلا من يكون عامل بناء جعلناه معول هدم في افضل ايام الله خيرا وبركة..
وللأسف فقد طغى الاستعداد الدرامي لرمضان على اي استعداد وفاق ادوار المؤسسات الدينية نفسها..واصبح الاستعداد الدرامي صاحب الحظوة في الاستحواذ على كل شيء في رمضان وتطاول على البرامج الدينية وتفسح للدراما كل المجالات وتفتح لها الابواب المغلقة وتوجه لها كل الاعلانات وتخصص لها اكبر الموازنات ويتم الانفاق ببذخ ولا نبالغ اذا قلنا انه يصل حد السفه..
انه استعداد جهنمي بامتياز ومن عجب ان يتباكى المتباكون..ويتساءلون اين ذهبت انوار رمضان ..اين حصاد الطاعة..اين ذهب المؤمنون الطائعون الابرار المتقون..لقد تواروا خلف حجاب الاستعدادات الظالمة لرمضان وغيره من مواسم الطاعات..
** قيل للحسن البصري رحمه الله :"ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره".
**قال مُعَلَّى بن الفضل: "كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم".
• وكان يحيى بن أبي كثير يقول:"اللهم سلمنا إلى رمضان وسلم لنا رمضان وتسلمه منا متقبلا" .
اللهم بارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان، اللهم استعملنا في طاعتك، ووفقنا لعبادتك ..يا ارحم الراحمين ..