رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

منذ بدأت اجتماعات القمم العربية فى أنشاص عام 1946.. يتردد نفس الكلام »هى قمة تاريخية تعقد فى أدق وأصعب الظروف التى تمر بها الأمة«.. ويعتقد الكثيرون أن البيان الختامى الذى كتب يومها وتملؤه عبارات الشجب والإدانة والصمود.. هو نفسه بتعبيراته الذى يتكرر فى نهاية كل قمة.. وما يتغير فقط هو أسماء الحضور وتاريخ ومكان الانعقاد!!

كان الله فى عون وزراء الخارجية وأمانة الجامعة العربية الذين بدأوا الاجتماعات التحضيرية لقمة تونس التى تعقد الأحد القادم.. فقد أصبحوا فى »ورطة« ستفرض عليهم إعادة صياغة البيان الختامى لوجود مستحدثات فى العامين الأخيرين.. حيث اعتاد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن يفجر قنبلة قبل أيام من انعقاد القمة.. ففى العام الماضى اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرر نقل سفارة بلاده إليها.. والآن يعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية ضارباً بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية عرض الحائط.. وغير عابئ بالحقوق والمصالح العربية!!

بينما يسبب قرار ترامب »ورطة« للعرب ويمثل صفقة تزيد من تفككهم ويعمق خلافاتهم ويكشف انهم فى أضعف حالاتهم.. فإنه فى نفس الوقت يستمر فى الارتماء فى أحضان الصهاينة.. ويقوى الاتجاهات اليمينية المتطرفة التى تجتاح العالم منذ دخوله أعتاب البيت الأبيض.. والأهم أنه يخالف الاجماع الدولى بقرارات فردية.. والغريب انه مازال يؤكد تصميمه على حل المشكلة الفلسطينية وانهاء الصراع فى سوريا.. ويطالب العرب بالاستجابة لصفقة القرن التى يستعد لاطلاقها فور انتهاء الانتخابات الإسرائيلية يوم 9 أبريل المقبل والتى على ما يبدو انه قد حسم نتيجتها بعد الدعم اللامحدود لبنيامين نتنياهو!!

لا يمكن أن يستمر العرب فى »البكاء على اللبن المسكوب« والاكتفاء بكلمات جوفاء يقومون بتقديم العزاء بها لأنفسهم وتتناقلها الأجيال كالشعار الخالد المحفوظ منذ وعد بلفور قبل أكثر من 100 عام »أعطى من لا يملك.. حقاً لمن لا يستحق«.. بينما أراضيهم تُسلب منهم قطعة قطعة.. وتحتل بلدانهم الواحدة تلو الأخرى.. فمتى يتحركون.. ولو للثأر للكرامة المهدرة أم أنهم ينتظرون أن يتخلوا عن أوطانهم شبراً شبراً.. ولا يبقى للعرب حتى ورقة توت تستر عوراتهم.. ويتحول أكثر من 450 مليون عربى إلى لاجئين؟!

لابد أن يرتفع العرب فوق خلافاتهم.. ويكونوا على مستوى الكارثة التى حلت بهم.. فلا يمكن أن نظل كل فترة نطلق على هزيمة اسم نكبة أو نكسة أو صفعة.. فعلى الأقل تحاول قمة تونس أن تعمل على جمع الشمل.. ووضع نهاية للأزمات فى سوريا وليبيا واليمن.. فالشعوب تتمنى أن تسمع أن قضية واحدة تم حلها داخل »البيت العربى« ولم تنتظر تدخلات الآخرين!!

أوراق الضعفاء.. صفعات للأقوياء!!

مازال هناك أمل.. فرغم الضعف والتفكك العربى.. هناك أوراق قوة إذا تم استغلالها واللعب بها يمكن جعل قرارات ترامب مجرد حبر على ورق« ويقتصر تفاخره بها على لقطات المصورين الذين رفع أمامهم وثيقتى الاعتراف بالقدس وبضم الجولان!!

يوجد اجماع دولى على احترام القرارات والمواثيق الدولية وعدم الاعتراف بالحلول الأحادية التى يتخذها أحد أطراف النزاعات فى أى منطقة من العالم.. كما أكدت الأمم المتحدة وأمينها العام والاتحاد الدولى وروسيا والصين وكافة الدول والمنظمات العالمية أنه لا يمكن فرض الأمر الواقع بالقوة.. ولا مكافأة المعتدى بمنحه الأراضى التى احتلها بالحرب وشرد أهلها واغتصب ممتلكاتهم.. لأن ذلك يشجع على العدوان ولا يحافظ على حقوق الشعوب ولا يحترم سيادة الدول ويعيد العالم إلى شريعة الغاب ليكون البقاء للأقوى.. وهذه أهم نطقة مطلوب من الساسة ورجال الدبلوماسية وأهل الإعلام العربى العمل على ترسيخها لعزل أمريكا وإسرائيل.. والعالم أصبح مهيأ لذلك من كثرة تجاوزات ترامب الذى يفقد كل يوم أحد الحلفاء.. ولكن بشرط استمرار الحملات الدبلوماسية والإعلامية وفضح التواطؤ »اليمينى الصليبى الصهيونى« فى كافة المحافل الدولية!!

يمكن لو صدقت النوايا.. وفى رد فعل يناسب الحدث.. أن يتم اتخاذ قرارات تصاعدية منها على سبيل المثال أن تتفق كافة الدول العربية على سحب السفراء العرب من واشنطن بصورة جماعية للتشاور ولو من باب حفظ ماء الوجه وابداء مجرد الامتعاض ولا نقول طرد السفراء الأمريكان من 22 دولة لنكون واقعيين فذلك فوق طاقة بعض الدول وعلينا المطالبة بما هو ممكن!!

ولأن ترامب رجل أعمال فهو لا يعرف سوى المصالح ولغة المال لذلك يمكن الغاء صفقات السلاح والطائرات وهى بمئات المليارات من الدولارات.. كما يمكن التهديد بسحب الأرصدة المكدسة فى بنوك أمريكا.. أو التلويح مثلاً باستخدام سلاح البترول »فقط نقول التهديد والتلويح لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها«.. وهناك أيضاً مقاطعة البضائع والسلع مما يجعل الشركات الأمريكية هى التى تضغط على ترامب خاصة وأن مصالحها مع العرب وليس مع إسرائيل!!

الأفكار لرد الفعل متعددة.. وقد يكون أقواها أن يتم انهاء وجود القواعد العسكرية للولايات المتحدة على أى أرض عربية.. وذلك أضعف الإيمان ولن يلومنا أحد.. ولكن هل يستطيع العرب حقاً اتخاذ قرار واحد فى هذا الاطار.. أو السير خطوة لمعاقبة من يحتلون الأراضى بالقوة ومن يساعدونهم على ضمها وليثبتوا أن الأمة مازالت على قيد الحياة ولم يعلن وفاتها رسمياً؟!

ليست آخر الهدايا.. وتساؤلات الشارع!!

أخطر ما فى قرارات ترامب التى تهدم مبادئ وأساسيات القانون الدولى وتعترف بالأمر الواقع.. أنها جاءت عن قناعة وعن سياسة تتبعها إدارته منذ انتخابه ولم يخفها وعبرت عنها سفيرته السابقة فى الأمم المتحدة »نيكى هيلى« عندما أعلنت فى مجلس الأمن عام 2017: »أن العالم لابد أن يتعامل مع الحقائق وليس الأوهام.. مما يعني أن ذلك سيستمر طوال سنوات ترامب التى على ما يبدو ستطول لفترة ولاية ثانية« طالما يوزع هداياه بسخاء على اليهود ليساندوه فى مشاكله الداخلية مع الكونجرس.. فيرد لهم الجميل بدعم بنيامين نتنياهو ليفوز برئاسة الوزراء.. وبالطبع ستستمر الهدايا وتتوثق الروابط والسر كما أفصح عنه مايك بومبيو وزير خارجية أمريكا: »أن ترامب قد يكون هدية من الرب لانقاذ اليهود.. مثل الملكة ايستر التى أنقذت الشعب اليهودى من الامبراطورية الفارسية«.. فهذا اعتقاد وإيمان راسخ عنده بأنه مبعوث العناية الالهية.. وعلى العرب انتظار من يكون عليه الدور القادم ليقدمه هدية بعد القدس والجولان وليس المهم على حساب أى شعب ولو كانوا أصدقاءه من العرب لأنهم مشهورون بالكرم ولن يؤثر معهم ضياع القدس أو الجولان أو...!!

كل ذلك جعل الشارع العربى يطرح تساؤلات مشروعة منها: لماذا يستأسد ترامب على العرب بينما هو فى الداخل أو مع اللوبى اليهودى »كالفأر« وكان مذعوراً وهو ينتظر تقرير »مولر« لأن أعضاء الكونجرس يتربصون به.. فهل الشعوب العربية بكل ثقلها وقدراتها أهون عليه من الكونجرس واللوبي اليهودى؟

يقولون أيضاً.. إذا كنا نمنح المليارات لترامب والشركات الأمريكية ويأخذ كل ما يريده.. ببجاحة ويقول للعرب إنه يحميهم ولابد أن يدفعوا الثمن.. فما الذى يجعله متأكداً أن هذه الأموال ستتدفق عليه لو ساعد أعداء العرب على احتلال أراضيهم.. ألم يراع مصالح الأصدقاء الذين يلبون له كل مطالبه؟!

وسؤال آخر لمن ظلوا يحافظون على الحلم العربى الذى تحول إلى كابوس.. هل مازال هناك من يعتقد أن »صفقة القرن« ستحقق السلام العادل واقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس وتعيد اللاجئين إلى أراضيهم وتنهى الاحتلال.. خاصة بعد ضم القدس والجولان وإغلاق مكتب منظمة التحرير فى واشنطن وتقليص حصة أمريكا فى تمويل وكالة غوث اللاجئين »الأونروا«؟!

أما السؤال الذى يحير الجميع: أين ذهبت اتفاقية الدفاع العربى المشترك؟!

أسئلة الشارع لا تنتهى.. وأصبح القادة الذين سيجتمعون فى تونس الأحد القادم فى »ورطة« سببها قرار ترامب وصحيح أن هناك مصالح مشتركة مع أمريكا.. ولكن الأمر فاق الحدود وأصبح يحتاج إلى »وقفة مع الصديق« فالمسألة حياة أو موت واستقلال أو احتلال.. وبالنسبة للعرب وللفسطينيين والسوريين »نكون أو لا نكون«!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة