رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام


سألوني ماذا يعني مجيء قادة دول اوروبا الكبار الي شرم الشيخ والمشاركة بفاعلية في اول قمة عربية اوروبية برئاسة مصر الي جانب القادة والزعماء العرب ؟!

الاجابة تحتاج الي قراءة دقيقة للخريطة وتفاعلات الاحداث علي الساحة وصراع القوي الدولية سواء القديمة او الصاعدة بقوة او تلك التي بدأت تتنبه بعد طول ثبات او استغفال اوتلك التي بدت تترهل.

تصاعد الازمات وتعقدها وتشابك الخيوط وحالات الارتباك الواضحة وعدم القدرة علي السيطرة والفشل في فرض سياسة الامر الواقع وتحكم لغة المصالح العليا والتصادم الحاد مع منظومات القيم والمبادئ علي مستوي القانوني الدولي او الانساني. وفوق ذلك الرفض الصريح لسياسة الهيمنة والاملاءات التي سئمها حتي الضعفاء علي كل محاور الصراع.

رسائل كثيرة ومهمة وقواعد جديدة رسختها قمة شرم الشيخ الاخيرة في مقدمتها اننا كلنا في الهم شرق وغرب وليس شرق فقط.

هناك تغير حقيقي في التوجهات والسياسات الغربية الاستراتيجية فقد اصبح من غير المقبول الانفراد بالقرار اواهمال اوالتقليل من شأن الاطراف الاخري علي الساحة. وانه لا بديل عن سياسة التعاون المشترك والتنسيق ليس فقط في مواجهة الازمات الطارئة ولكن في دفع خطط التنمية وتحقيق الرفاة الاقتصادي وتبادل المنافع بصورة حقيقية وعلي قواعد واضحة تضمن وتصون الحقوق وتحمي الحريات.

اذن نحن امام نقطة تحول استراتيجية في السياسة الغربية وفي النظرة والتعامل مع الشركاء في المنطقة.هناك تخلي عن منطق الاستعلاء وروح الاستعمار وشبق الاستغلال وهو تحول كبير وايجابي لابد من استثماره والبناء عليه من جانب كل الاطراف.
تداعيات الاحداث وتطورات القضايا الداخلية والخارجية فرضت نوعا جديدا من المنطق وقدرا كبيرا من العقلانية في النظر الي الامور فلم يعد من اللائق او المقبول ان تستمر السياسات القديمة العقيمة فيما تغرق المركب بالجميع.

النجاح الاكبر والتطور الاهم هو ارغام القوي الغربية علي الاعتراف بان حل المشكلات والقضايا الخاصة بها والتي باتت تؤرقها لا يمكن ان يكون بطريقة احادية او منفردة وان هناك مشكلات وقضايا اخري مهمة ايضا لم يعد السكوت عليها محتملا اذا كان هناك رغبة حقيقية في التقدم نحو الامام. وهي قضايا اريد لها ان تدخل انفاقا مظلمة او تحال الي الاستيداع رغم حيويتها وحالة الغليان والسخونة الكامنة فيها. والتأكيد علي ان حلها جزء كبير وحيوي من خطة التقدم نحو الامام والبحث عن عوامل بناء الثقة وترسيخ قواعد الامن والاستقرار.

قمة شرم الشيخ بداية حركة يقظة حقيقية وادراك واع بمحورية دول المنطقة وتأثيرها في صنع السياسة العالمية وايضا في اعادة صياغة معادلات القوة بين الاطراف اللاعبة علي الساحة الدولية .. وانه قد آن الاوان ان تكون المنطقة العربية رقما مهما وصعبا في عملية ادارة الصراع والحركة الكونية وان تكون محورا فاعلا في حركة الاحداث وقوي التأثير في عمليات التغيير التي يشهدها العالم اليوم.. بين قوي بازغة تقطع طريقها بخطوات ثابتة نحو المستقبل وقوي تترنح وتوشك شمسها ان تغيب وتعاني من حالة ارتباك فظيعة مع بدايات خروج عن السيطرة ومواجهة حالات نشوز وموحات تمرد ورفض الاستمرار في بيت الطاعة اللعين. وقوي اخري تتأهب للاستقلال والتحررپواسترداد الحقوق بكل السبل الشرعية وغير الشرعية ومحاولة اثبات الوجود في عالم لم يعد يعرف الحدود ولا الهدوء ايضا.

أدهشني الاعتراف الاوروبي والتسليم بالصيغة والصياغة الجديدة في ضرورة التعاون المشترك علي ارضية تبادل المصالح والمنافع واهمية حل المشكلات العالقة هنا وهناك وليس هناك فقط.

مع بداية القمة توالت التصريحات بالغة الدلالة والاهمية علي اجتماع قادة كل دول الاتحاد الاوروبي مع قادة الدول العربية "قادة 94 دولة عربية واوروبية عل مائدة حوار واحدة لاول مر في مدينة شرم الشيخ".

رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر قال "إن القمة نفسها هي بالفعل رسالة لبقية العالم ان "اللقاء هو الرسالة".
مسئولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موجيرني قالت هذه القمة في حد ذاتها "تطور" وتصر موجيريني علي أن القمة أكثر بكثير من مجرد منتدي للحوار حول الهجرة وقالت "نجري مناقشات مفتوحة وصريحة وليس فقط علي المهاجرين ومناقشات حول تعاوننا الاقتصادي ومنطقتنا المشتركة".

رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك: "يجب أن نعمل معا- بلدان الأصل والعبور والمقصد - من أجل كسر نموذج أعمال المهربين والمتاجرين الذين يجتذبون الناس إلي رحلات خطرة ويغذون العبودية الحديثة."

الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت كلماته واضحة سواء في التصريحات العامة او في الجلسة الافتتاحية حيث أكد أن انعقاد القمة الاولي من نوعها "ومستوي الحضور الرفيع" فيها هو "خير دليل علي أن ما يجمع المنطقتين العربية والأوروبية يفوق بما لا يقاس ما يفرقهما". وأنها تعكس "الاهتمام والحرص المتبادل لدي الطرفين العربي والأوروبي علي تعزيز الحوار والتنسيق فيما بينهما بصورة جماعية"من أجل "الوصول الي رؤية وتصور مشترك لكيفية التعامل مع الأخطار والتحديات المتصاعدة" التي تواجه التجمعين وأن "القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية" محذرا من "تداعيات استمرار هذا النزاع علي كافة دولنا". كما قال إن استمرار النزاعات في سوريا وليبيا واليمن دون تسوية هو شكل من "القصور ستحاسبنا عليه الاجيال القادمة".

رسائل واضحة صريحة ومباشرة في توقيت بالغ الحساسية ووسط اجواء مشحونة وتحركات مريبة تحاول فرض رؤي وحلول غامضة او مبهمة وغير مقبولة علي قضايا الصراع في المنطقة.

لا يقلل من اهمية التوجهات الاستراتيجية الجديدة التي تؤصل لها قمة شرم الشيخ والاتفاق علي دورية انعقاد اللقاء العربي الاوروبي كل ثلاث سنوات الاعتراف او القول بان اوروبا باتت مأزومة وان القارة العجوز تبحث عن متنفس للخروج من ازماتها الداخلية والصراعات مع الحلفاء والقوي الدولية وانها ترغب في مقاومة النفوذ المتزايد للصين وروسيا في مناطق عديدة ومن بينها المنطقة العربية.

المعروف ان السياسة هي فن الممكن وانها لا تعرف الجمود ولا التحجر. نعم اوروبا تعيش ازمات متصاعدة ومتلاحقة علي الصعيد الثنائي والجمعي كدول اتحاد.وقد جاءت بها او ببعضها الي شرم الشيخ.. رئيسة وزراء بريطانيا والبركيسيت نموذجا وصراع النفوذ الامريكي الاوروبي والطموحات الاوروبية في بناء قوة عسكرية مستقلة وتشكيل جيش اوروبي نموذج آخر والعلاقات الاوروبية الروسية نموذج ثالث.

ازمة حساسة اخري والمتعلقة ببقايا وفلول تنظيم داعش الذي صنعته امريكا والدول الغربية معا وقد وجدت اوروبا نفسها محشورة فيها وشبه عاجزة عن التحرك والتوصل الي حل بشأنها وتقف حائرة امام الضغوط الامريكية في هذا الصدد وضرورة استقبال الدواعش الغربيين وخاصة الاطفال والنساء.

فالدول الغربية تواجه بالفعل معضلة بشأن كيفية التعامل مع أولئك الارهابيين الرغبين في العودة إلي بلدانهم بعد هزيمة تنظيم داعش وزوال ما كانوا يسمونه "دولة الخلافة الإسلامية" مما أثار جدلاً حول المواطنة وانعدام الجنسية وما قد ينتج عنه من تجريدهم منها.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة