رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

صح النوم

يبدو ان النظام العالمي الحالي ،الذي تقودة الولايات المتحدة الامريكية علي مشارف الانتهاء،ويلفظ أنفاسه الأخيرة بعد استمراره ثلاث عقود. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب اعلن انطلاقة رسميا في خطاب ألقاه بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج العربي عام 1990 .وفي العام التالي تفتت الاتحاد السوفيتي لـ15 دولة مستقلة، لتنفرد واشنطن بزعامة العالم.المشكلة ان امريكا قادت العالم ،منذ ذلك الحين ،في ظل غياب أي منافس قوي يجرؤ على تحديها بعد غياب الروس عن الساحة؛ وارتضت الدول الأوروبية واليابان - رغم غناهما وتقدمها -ان تدور في الفلك الأمريكي.واعلن المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما بثقة وجراة وتحدي "نهاية التاريخ"،وان القيم والحضارة الغربية كالديمقراطية والليبرالية والرأسمالية ،وغيرها ،قيمًا عالمية يجب علي جميع الدول تبنيها ،تماشيًا مع توجيهات الدولة العظمى التي هيمنت على المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد، وبدا للبعض أن الحضارة الغربية بقيمها الحالية هي أقصى ما يمكن أن تصل إليه البشرية وسيكتب لها الخلود.

المشكلة ان العالم ،خلال هذه الفترة،سادة حالة من الفوضي الاقتصادية والسياسية ،وازدهرت تجارة السلاح ،والحروب الاهلية وتصاعدت وتعملقت الجماعات الارهابية وارتفعت اعداد الاجئين وانتشرت الهجرات غير الشرعية،وتجارة الاعضاء البشرية وغسيل الاموال والجريمة المنظمة.

السبب ان الراسمالية توحشت مع غياب العدالة الاجتماعية والمساواة ،وحتي قيم الديمقرطية والحرية في داخل معقلها نفسه- اوربا وامريكا- اصبحت محل شك وتشكيك.الدليل ظهورحالة من السخط والاستياء بين الشعب الاوربي والامريكي علي نظامه الديمقراطي الغربي،ومنظومتة الانتخابية.وتسود حالة من الارتباك في اوربا منذ تصويت البريطانيون على الخروج من الاتحاد الأوروبي،والتي جاءت علي غير رغبه الشعب الاسكتلندي،او إيرلندا الشمالية اوحتى مقاطعة جبل طارق الواقعة جنوب إسبانيا ،وهم تابعين للاتحاد البريطاني ،وضد رغبة اكثر من70% من الشباب البريطاني -حسب استطلاعات الرأي- الذين يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي،ولكن 36% فقط ذهبوا إلى الصناديق وأدلوا بأصواتهم،لصالح الخروج منه.

وحتي نجاح دونالد ترامب في رئاسة أميركا،جاء ضد رغبه معظم المثقفين والنخب والاغلبية الشعبية الامريكية ،التي اعتبرت نجاحه فشل للديمقراطية الامريكية،ونظام المجمع الانتخابي.ووقع الانقسام في المجتمع الامريكي بين معارض ومؤيد،وظهرت الانتقادات لعيوب الديمقراطية الغربية ،وصعوبة تطبيقها بمفهومها التقليدي في الوقت الحالي بسبب كثرة اعداد السكان في غالبية الدول،وكبر مساحتها،وتشعب مجالات القضايا التي تنظم حياتهم التنموية والامنية والمشاكل والازمات المرافقة لها ، على المستوين الداخلي والخارجي.

وتشهد بعض الدول الأوروبية الان حراكا متزايدا و متصاعدا تحت ما يسمي بإحتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي خرجت لتجتاح الشوارع الأوروبية، والمطالبة بتخفيض الضرائب، وتحسين ظروف العيش، لرفع الأجور، وتسوية وضعية العمال والطبقات الفقيرة .

في المقابل،نري النظام السياسي الذي قاد الصين إلى صفوف العالم المتقدم،يقدم نموذجا عبقريا لمشكلة المشاركة السياسية لجميع فئات الشعب،الريفية والحضرية، والأقليات العرقية والمساواة الإقليمية،فيما يسمي المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني،وهي منظمة تمثل جبهة وطنية متحدة للشعب الصيني، وجهاز هام للتعاون الحزبي والتشاور السياسي بقيادة الحزب الشيوعي، وشكل هام للديمقراطية الاشتراكية الصينية.

وتقدم الصين للعالم حلم جديد بمبادرة "الحزام والطريق ". ويلخص الزعيم الصيني شي جين بينغ مشروعة قائلا "طريق الحرير يعتبر ثروة مشتركة لشعوب مختلف الدول،وان الصين تعمل على تنمية روح طريق الحرير،على أساس مبادئ التشاور والبناء المشترك، لتعزيز التبادلات بين الشعوب والدول، وترابط المنشآت وتفاعل التجارة وانسياب رؤوس الاعمال وتواصل الشعوب،مما يلقى اعترافا واسعا من قبل الدول الواقعة على طول "الحزام والطريق".وان الصين تعمل مع الدول الواقعة على طول "الحزام والطريق" لبناء شبكة للتعاون متبادل المنفعة،وخلق نمط جديد من التعاون،وفتح منصات تعاون متعددة،وتعزيز المشاريع فى المجالات الرئيسية،لبناء طريق حرير أخضر وصحي وذكى وسلمي يفيد الدول والشعوب".المشروع او الحلم هو استنساخ او اعادة إحياء طريق الحرير القديم الذي وحد بين آسيا مع أوروبا وبين الصين والعرب.

الجميل ان طريق الحرير القديم والجديد ليس مجرد ممر تجاري لتبادل المنتجات السلعية، وإنما كان أيضا رابطا سياسيا وعلميا وتقنيا وعسكريا ودينيا وثقافيا وفنيا بين حضارات مختلفة.وصعود القوة الصينية أمر طبيعي،و منطقي بالجغرافيا والتاريخ، بل وبحسابات تعداد السكان أيضًا، وهي قوة حتمية الصعود بالنظر للتفوق الاقتصادي الهائل الذي أحرزته الصين منذ قام الرئيس دَنغ شياوبَنغ بفتح السوق الصيني في الثمانينيات، وتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.

والحقيقة أن فكرة "طريق الحرير" في حد ذاتها تستدعي إلى الذاكرة العربية والصينية تاريخا من التعاون والتلاقح الفكري والثقافي والمعرفي، وإذا كان الحديث في سنوات سابقة عن "إحياء طريق الحرير القديم" ظل حديثا مبهما يوتوبيا إلى حد كبير، فإن المبادرة الصينية بإقامة حزام اقتصادي على طول طريق الحرير تحول الفكرة إلى واقع يستند إلى حقائق قائمة بالفعل، سواء من خلال العلاقات الثنائية التي تربط بين الصين والدول المعنية بهذا الطريق، أو من خلال الآليات الجماعية وفي مقدمتها منظمة شانغهاي للتعاون التي أنشئت في عام 2001 بهدف مكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، إضافة إلى انشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية عام 2016 برأسمال 100 مليار دولار بمشاركة 87 دولة من جميع أنحاء العالم وعلي رأسها مصر.

وعلى مدار العقد الماضي، قفزت الصين قفزة كبيرة في طبيعة اقتصادها، فالكثير منا يذكر كيف كانت جودة السيارات الصينية التي بدأت تنتشر مع مطلع الألفية الجديدة، بالمقارنة مع التحسن الملحوظ والانطلاقة الكبيرة التي شهدتها مؤخرًا مع دول العالم المختلفة، كما يمكن أيضًا ملاحظة دخول الصين إلى مجالات ثقيلة كالإلكترونيات والأسلحة والأقمار الصناعية بشكل يجعلها ندًا للأمريكيين والألمان واليابانيين، بعد أن كانت هناك فجوة كبيرة بينها وبين الثلاثة الكبار في تلك المجالات.

وتعمل الصين على بناء "الحزام والطريق" لا بهدف توسيع دائرة نفوذها وتغيير النظام الدولي القائم وحماية مصالح دولة ما أو مصالح عدد قليل من البلدان، بل تهدف إلى تعزيز المنفعة المتبادلة والفوز المشترك بين الدول المجاورة وحتى دول العالم كلها.وتعزيز بناء آلية أمنية متعددة الأطراف لحل النزاعات الاقليمية.

"الحزام والطريق "يوفر للانسانية فرصة تاريخية اهدرتها اوربا بعد سقوط حائط برلين في اقامة نظام عالمي جديد يسودة المصلحة المتبادلة وحرية التنقل ليس فقط للسلع والبضائع والنقود ولكن حرية السفر لجميع شعوب العالم ،ولكن المطبات الامريكية في طريق الصين مازالت عميقة والحرب التجارية بينهما مازالت في بدايتها،وللحديث بقية ان كان في العمر باقية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة