أبيض وأسود
يفضل بعض رجال الأعمال قضاء الأوقات في العواصم الأوروبية وجزر الكاريبي للإسترخاء، ومتابعة حركة المال، وفحص فرص أعمال جديدة أكثر ربحية بأي مكان في العالم من أجل مزيد من الثروة، يتقربون من الزعماء طمعًا في عضلات السلطة، ويضيعون أوقاتهم علي تويتر لحصد متابعين ومعجبين أكثر، ويصاحبون نجوم الفن والرياضة والأدب لحصد شهرة أكبر، هؤلاء لا ينقصهم شئ، ولا يشغل بالهم هم، فالوطن بالنسبة لهم المكان الذي يدر الأرباح، لا هو مسقط الرأس.. هؤلاء رجال التقلبات من عصر إلي عصر، لطالما ملأوا المجال العام بقصص الزواج والطلاق والهروب بأموال البنوك والتهرب من الضرائب.. مع الوقت صاروا حيتان تلتهم كل شئ، ولا تتورع عن فعل شئ من أجل مزيج الثروة والسلطة والشهرة.. يأخذون ولا يعطون، تترهل أجسادهم ويغمضون أعينهم عن البسطاء، وتزيد حساباتهم ولا يفكرون في دعم الوطن.
في المقابل هناك رجال أعمال قد تختلف مع مواقفهم، لكنهم جديرون بالإحترام والتقدير، الثروة لديهم أرقام بنكية لإدارة أعمالهم، لا يطمعون في سلطة ولا تشغل بالهم الشهرة.. يؤرقهم حال وطنهم، ويواصلون الليل بالنهار من أجل خلق وظائف عمل جديدة، ودعم الشباب، ودفع مجتمعهم للأمام، هذه الأفكار شغلت بالي وانا اتأهب للإستماع لمحاضرة قداسة البابا تواضروس، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، عن قيم المحبة والتسامح وأثرها على المجتمعات، قبل أيام بالجامعة البريطانية.. كنت مهتمًا بالمحاضرة لأنها الأولي من نوعها للبابا في الحياة العامة بعيدًا عن المناسبات الدينية، والالتزامات الوطنية.. وامام حضور الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، والدكتور مصطفى الفقى، رئيس مكتبة الإسكندرية، ونخبة من المثقفين والطلاب.. كان السؤال ينمو في رأسي عن هذا الصرح التعليمي الجامعة البريطانية بالشروق، ومؤسسه ورئيس مجلس أمنائه محمد فريد خميس، رجل الأعمال الكبير، صاحب أكبر شركات النسيج بالعالم.
قبل المحاضرة وأنا احتسي القهوة سريعًا صافحني محمد فريد خميس، وبابتسامته الهادئة سألني : ايه رأيك يا استاذ دلوقتي مافيش حاجة اسمها مصري مسلم ومصري مسيحي؟! ابتسمت وعاجلته سريعًا: طول عمرنا عندنا مصريين فقط.. الدين لله والوطن للجميع.. ضحك وكأنه يذكرني بمقالة لي عن منسوب الوطنية وخطورة تقسيم المصريين لمسلمين وأقباط في زمن خفنا عليه من ضياع الهوية والوطن نفسه.
أضاعني سؤال خميس من المحاضرة، وفجر شغف الأسئلة حول دور الرأسمالية الوطنية في المجتمع، فهو نموذج لرجل الأعمال العصامي، ورغم ثروته الطائلة وشهرته العالمية، يلعب دورًا شديد الوطنية بربط العلم بالصناعة عبر جامعات بجودة عالمية وبشراكات مع أكبر جامعات العالم من بريطانيا إلي الصين.. بدأب شديد ومثابرة يصنع حاضنة لتعليم الشباب علي أحدث ما وصل له العلم، وحول كياناته التعليمية إلي مراكز بحثية وعلمية تقيم فعاليات هامة من الطاقة إلي ماء النيل إلي أهمية دور مصر في أفريقيا، تصدر توصيات هامة.. فما أحوج الوطن لتكرار نموذج محمد فريد خميس.