رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

** مر نصف قرن علي أكبر سوق لعرض إنتاج دور النشر والمطابع في مصر والعالم العربي.. ذلك المهرجان السنوي للمعرفة الذي ينتظره أبناء لغة الضاد من المحيط إلي الخليج. للاطلاع علي عصارة عقول المفكرين والأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء ورجال السياسة والاقتصاد.. والبحث عن كل جديد في صفحات موسوعات المعارف وسلاسل الإصدارات المتخصصة وكتب التاريخ والتراث.. ويلتقي فيه الناشرون والموزعون وأصحاب المطابع مع المبدعين والمؤلفين بحضور الملايين من عشاق القراءة علي أرض القاهرة عاصمة الثقافة العربية!!


كانت البداية عام 1969.. ومنذ افتتاح دورته الأولي تحول إلي عيد للكتاب والقراءة والثقافة.. يفرح فيه الكبار والصغار.. الرجال والنساء.. الأطفال والشباب.. وموعده السنوي الذي اختير بعناية ليتزامن مع اجازة نصف العام أصبح فرصة لتلاميذ المدارس وطلبة الجامعات لزيادة معارفهم والاطلاع علي ما يوسع مداركهم بعيداً عن المعلومات التي يتلقونها في الكتب الدراسية.. الأسرة تختار يوما في فترة انعقاده التي تصل إلي أسبوعين لتقوم برحلة يشتري فيها الأب والأم والأبناء ما ينقص كلاً منهم في مكتبته عندما كان لكل فرد مكتبته الخاصة.. فالقراءة هي الهواية الأولي قبل زيادة ساعات البث التليفزيوني وقبل سنوات من ظهور الفضائيات.. وقبل عقود من اختراع المحمول أو التعرف علي الإنترنت بشبكته العنكبوتية التي أحكمت بخيوطها علي عقول البشر!!


في نهاية اليوم.. كانت مكافأة الآباء لأطفالهم ولتشجيعهم علي القراءة ان تكتمل النزهة بعبور الشارع إلي الجانب الآخر حيث توجد مدينة الملاهي وذلك عندما كان معرض الكتاب الدولي يقام بأرض المعارض بالجزيرة.. "مكان دار الأوبرا الآن" قبل انتقاله إلي أرض المعارض بمدينة نصر ثم ينتقل هذا العام للمرة الثالثة ليستقر في مركز مصر للمؤتمرات والمعارض بالتجمع الخامس في دورته الخمسين التي تفتتح الأربعاء القادم لمن يحملون الدعوات والعارضين والناشرين الذين تنتظرهم مفاجأة ثم يوم الخميس يتم استقبال الجمهور وتبدأ أنشطة المعرض وندواته.


وقبل ان نتحدث عن القراءة وتأثيرها.. أو نتناول أهمية معرض الكتاب ونحن نحتفل بيوبيله الذهبي.. لابد ان نعود إلي "أصل الحكاية" فبدون التعليم والثقافة يصبح مثل هذا المعرض عديم الجدوي وكأننا نحرث في البحر!!


تناولت في 4 مقالات سابقة الثروات والقدرات والامكانات التي تمتلكها مصر وتجعلها إذا استغلتها تحقق التنمية الشاملة المنشودة التي تقربها لتكون ضمن الاقتصادات الكبري في سنوات قليلة.. وبالطبع كان الانسان علي رأسها بل هو أغلي ثروات هذا الوطن بشرط استعادة الشخصية المصرية!!


أهم من الشهادات
** ربما تتبدد حيرة الناس حول من الأهم التعليم أم الثقافة عندما يعرفون ان الكاتب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد صاحب العبقريات لا يحمل الدكتوراه ولا الماجستير ولم يحصل علي شهادة جامعية ولا ثانوية وبالكاد معه الابتدائية القديمة ومع ذلك أصبح عملاقا في الأدب وأحد حراس اللغة العربية وأفضل من تناول سيرة الرسول- صلي الله عليه وسلم- والصحابة وكان سياسياً بارعاً ومعارضاً وطنياً وعضواً بالبرلمان ولم ينتقص عدم حصوله علي الشهادة واتمام التعليم من قدره ولا احترام الناس له.. وهناك العديد غيره أمثال الأدباء والشعراء جمال الغيطاني وإبراهيم أصلان وأحمد فؤاد نجم.. وفي العالم فإن أديسون أشهر العلماء لم يكمل تعليمه ومع ذلك له حوالي 100 اختراع أثرت الإنسانية.. وأديب نوبل العالمي ماركيز لم يحمل شهادة عليا.. ومثلهما الإيطالي ماركوني مخترع الراديو.. مما يعني أن شخصية الانسان لا يشترط في تكوينها الحصول علي شهادة.. فبناء الثقافة واكتساب المعرفة ليس فقط في التعليم بالمدارس والجامعات.. وإنما بالبحث الدائم والاطلاع المستمر وتشغيل العقل وإعمال الفكر.. وبالطبع ليس معني هذا الكلام ان نغلق المدارس والكليات أو أننا نشجع علي التسرب من التعليم بالعكس خاصة وان ما كان متاحا في الماضي لا يتوافر الآن من تشجيع المجتمع للمجتهدين والمبتكرين والموهوبين!!


الثقافة هي التي تشكل سلوك وفكر ووجدان الانسان وتعطيه الخبرات في التعامل مع المواقف ومع الآخرين.. وتمنحه الثقة في النفس.. وبذلك تكون الثقافة أشمل من التعليم.. فهي كل ما يفعله الانسان أو يفكر فيه أو يشعر به.. فطريقة كلامك ونظافتك الشخصية وتناولك للطعام وارتداء ملابسك.. ثقافة.. وعبورك الطريق ومخاطبتك للآخرين وأداء عملك.. ثقافة.. ومعاملتك مع الناس وحبك لأهلك ووطنك.. وكل إنتاج عقلك وفكرك وإبداعك ومواهبك.. ثقافة.. وبالطبع أحاسيسك وادراكك للأشياء وشعورك بالخير والجمال أو الشر والقبح.. وكيفية البيع والشراء.. واعتناق أيدلوجية أو التطرف والإرهاب.. ثقافة.. بل وتنظيمك لأسرتك وانجابك للأطفال وطرق تربيتهم وإلقاء القمامة في الشوارع.. أيضا ثقافة تتكون بوجود في مجتمع له تقاليده وعاداته وتراثه وتاريخه.. وكل ذلك مع الإيمان والمعتقدات يمثل ذخيرة للشعوب تميزهم عن غيرهم بسمات محددة وصفات تجعل من السهل معرفة من ينتمون إلي كل جنسية.. ويشار إليهم فور رؤيتهم.. هؤلاء مصريون أو صينيون أو انجليز أو أمريكان أو ألمان.. وهكذا.


جيل ثلاثي الأبعاد
** لا تتوقف الثقافة علي تلقي العلم في المدارس وأخذ الشهادات لتعليقها علي الجدران فهناك فلاحون وسائقو عربات كارو وبسطاء يفهمون ويتحدثون أفضل من أنصاف المتعلمين وقد كان أمثال هؤلاء يحفظون قصائد أمير الشعراء وإبراهيم ناجي التي تغنيها أم كلثوم وعبدالوهاب.


ولكن الآن للأسف.. لم نعد نقابل من يمكن أن نطلق عليه "المثقف" مع تفشي الأمية حتي بين المتعلمين أنفسهم.. فأصبح معظم النشء والشباب إما أنه لا يقرأ ولا يكتب.. أو جالساً أمام الفضائيات أو يمسك بالمحمول مشغولاً بالإنترنت.. وجميعهم يستقون معلومات "مشوشة" ان لم تكن "مُغرضة".. وهناك فئة من الأطفال والفتيان أخذتهم "نداهة المدارس والجامعات" الأجنبية.. فكيف وسط كل هذا يمكن ان نحافظ علي هويتنا وتراثنا وثقافتنا وديننا وعاداتنا وقيمنا.. إذا كنا تركنا تربية الأجيال القادمة وبناء شخصية الأطفال والشباب في أيدي آخرين.. وتنازل المجتمع "الأسرة والحكومة" طواعية لجهات داخلية وخارجية وبترخيص رسمي لمؤسسات تعليمية أجنبية تقوم بتشكيل عقول ووجدان أبناء هذا البلد!!


تماما كما سبق وان تخلت الأمهات عن تربية الأطفال وتركت المسئولية للمربية أو "الدادة" للخروج إلي العمل تحت وطأة الظروف الاقتصادية.. أو كما لا يعرف الآباء عن أولادهم شيئاً وهم يستخدمون مواقع التواصل التي غالبا يكون الطرف الآخر الذي يحدثهم مجهول الهوية والنوايا والأغراض.. والغريب ان الأطفال والشباب وربما الآباء والأمهات يصدقون المعلومات المتداولة علي الإنترنت وكأنها حقائق ولا يفكرون في مناقشتها أو تحليلها واخضاعها للعقل والبحث والمنطق!!


نعم كلنا مشاركون في هدم الشخصية المصرية وتغيير طبيعتها وسلوكها وعاداتها وتقاليدها وقيمها.. وعلينا ألا نلقي باللوم كله علي ثورة يناير التي مر عليها 8 سنوات.. صحيح ان توابعها وملابساتها أخرجت اسوأ ما في المواطنين.. ولكن المسألة أعمق من ذلك وتعود لعقود قبلها وهدم الشخصية وتجريفها بدأ بفعل فاعل وبوعي وبحرفية منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي وبعد تحقيق معجزة النصر في حرب أكتوبر فكان لابد من تدمير هذا الشعب وجيشه بكل الوسائل وبأيدي من بيننا وأخري من حولنا ومن دول وأجهزة في المنطقة وبعيدة!!


الخطورة ان آباء الطبقة الميسورة يرسلون أبناءهم للتعليم في المدارس والجامعات الأجنبية في مصر وخارجها وهؤلاء يتخرجون وهم منفصلون تماما عن المجتمع ونادراً ما يتحدثون باللغة العربية أما أهل الطبقات البسيطة فبإنجابهم أطفالا عددهم أكبر من قدرتهم علي تحمل مصاريف معيشتهم فمن الطبيعي ألا يرسلوهم إلي المدارس ويتسربوا من التعليم.. ويبقي أبناء الطبقة الوسطي التي مازالت بقاياها تحاول الصمود فهؤلاء يلحقون أطفالهم بالمدارس ثم الجامعات الحكومية أو الخاصة الوطنية ثم يلجأون إلي الدروس الخصوصية لتلقينهم المناهج!!


تلك هي الحقيقة المرة.. الجيل القادم قد ينقسم إلي ثلاثة من يتلقون ثقافات أجنبية أو جاهلون وأميون.. وفريق ثالث يجتهد ويحاول ان يشق طريقه ويعلم ويثقف نفسه لأنه تخرج مع أنصاف المتعلمين بعد أن أهملت الحكومات المتعاقبة خلال النصف قرن الأخير للتعليم ودمرت الثقافة واهتمت فقط بغذاء "البطون" حيث وجهت مليارات الجنيهات لدعم رغيف الخبز وخفضت ميزانيات المدارس والجامعات ومراكز الشباب وقصور الثقافة ونشر الكتب وأغلقت هيئة السينما وقلصت ميزانيات المسرح فلم تعد تنتج الأعمال الفنية الهادفة والدراما المحترمة التي تشكل وجدان الجماهير وتسمو بنفوسهم وتعمق من انتمائهم وتهذب أخلاقهم وتثقفهم!!


ولأننا في زمن الماديات فان المجتمع المدني والقطاع الخاص أغلبه لم يعد يهتم لا بالتعليم ولا بالثقافة فالمهم الربح بدليل ارتفاع مصاريف المدارس الخاصة "فما بالنا بالأجنبية" وانصرفت دور النشر عن تبني المفكرين والكتاب الجدد ونشر أعمالهم وابتعدت عن الترجمة باستثناء نوعيات تدمر أكثر مما تفيد.. والأخطر إنتاج أفلام ومسلسلات وفيديوهات أغاني بعيدة تماما عن كل القيم والأخلاق بل وتدفع الشباب للجريمة والبلطجة والعنف والادمان وأحيانا للإرهاب!


مناهج المدارس الأجنبية
** تعدد نظم التعليم واختلاف أنواع المدارس الأجنبية "أمريكية وانجليزية وفرنسية وألمانية ويابانية وصينية وروسية و.........!!" يحتاج إلي تكثيف الرقابة علي كل ما يتلقاه التلاميذ من أفكار وقيم مغايرة لمجتمعنا وبعيدة عما يتم تدريسه في المناهج التي وضعتها وزارة التعليم حتي لا نخلق أجيالا متنافرة وربما تكون متخاصمة.. فكل خريج من الطبيعي أن يدافع أو يتحيز للثقافة التي تربي عليها وتعلم لغتها وعادات أهلها وقرأ عنها وترسخت في وجدانه من الحضانة.. وبالتأكيد سيكون انتماؤه أقرب لهذه الثقافة ودولتها أو علي الأقل سيتأثر شعوره بالوطنية وربما شعر بالغربة مع أقرانه "أولاد البلد" الذين تعلموا في مدارس يعتبرها في نظره متخلفة.. خاصة ان غالبية طلبة المدارس الأجنبية لا يجيدون اللغة العربية ولا يتحدثون بها أحيانا من باب التباهي والتفاخر أو التكبر وفي الأغلب لانهم طول الوقت يتكلمون باللغة التي درسوا بها من الصغر.. فيبتعدون رويدا رويدا عن المجتمع ولا يتأقلمون مع أقرانهم وتنشأ "جروبات" مجموعات خاصة بهم يجدون فيها الأمان والتفاهم وبذلك يتفتت المجتمع وينقسم وتتعدد الثقافات والعادات والتقاليد وتختلف الأخلاقيات والأولويات مما يشكل خطورة علي كيان الدولة ووحدة شعبها!!


لابد ان ننتبه إلي خطورة ذلك الوضع.. لأنه بعد 15 أو 20 عاما ستكون العواقب وخيمة إذا ظل هذا التناقض موجودا بين "أبناء الذوات" و"أولاد الحارات".. فئة ستشعر انها لا تنتمي للبلد وأخري تشعر بمن يتعالي عليها.. وقد يزداد احساس البعض بأنه غير مرغوب فيه فيفضل الانعزال لانه لا يمكنه التأقلم مع الأغلبية ويعيش في غربة داخل بلده.. لذلك فعلي وزارات التعليم والشباب والتعليم العالي والأحزاب والمجتمع المدني دمج كل شباب مصر في أنشطة مشتركة لتقريبهم وعدم زيادة الفجوة بينهم.. وعلي الإعلام أن يعود لقيادة توحيد ثقافة المصريين وإعادة بناء شخصية "ابن البلد" الأصيل الذي مهما تلقي ثقافة أجنبية فانه ينتمي لهذا الوطن وشعبه!!


الأهم التأكد من المناهج التي يتم تدريسها في المدارس الأجنبية وما ينقل إليهم من ثقافات وسلوكيات لا تتفق مع قيمنا.. والاهتمام باللغة العربية والدين في هذه المدارس حتي لو أجريت امتحاناتها تحت إشراف وزارة التعليم حيث لا توجد دولة في العالم تسلم أطفالها وشبابها لمن يربيهم لها أو يجعلهم لا ينتمون لها أو علي الأقل يشعرون بالغربة في وطنهم!!


أخذتنا الثقافة وهمومها عن الحديث عن الكتاب وأهميته ومعرضة ولذلك حديث آخر ان كان في العمر بقية باذن الله.. ولكن المهم الآن ان بناء البشر وتغيير الأفكار الدخيلة علي المصريين في حاجة إلي وقت وصبر وعزيمة وجهد.. والأهم تعاون كافة المؤسسات الحكومية والأهلية.. العامة والخاصة.. ومن الضروري البدء من الآن في العمل لانقاذ الأجيال القادمة وعدم الاكتفاء بتطوير التعليم دون الاهتمام بالثقافة وإلا أصبح مستقبل الأمة في خطر!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة