نبض الشارع
ملف الإصلاح المالي للمؤسسات الصحفية القومية لم يعد يتحمل التأجيل. والأوضاع المالية في تلك المؤسسات اصبحت في حاجة ملحة لتدخل عاجل من جانب الحكومة.. ولن أقول من جانب الرئيس.. لأنه ليس من العدل ولا المنطق أن يتحمل الرئيس كل الأعباء.. وأن ينوب عن الحكومة في القيام بمهام هي من صميم عملها ومسئولياتها.
ومنذ أكثر من 20 عاماً والمؤسسات الصحفية القومية تواصل نزيفاً حاداً من الخسائر وتراكماً مخيفاً من الديون.. نتيجة لأسباب مختلفة.. شاركت الدولة في وقت من الأوقات في بعضها حين غضت الطرف عما يجري بداخلها.. وساهمت الظروف الاقتصادية والمتغيرات التكنولوجية والاجتماعية في النسبة الأكبر منها.. حتي وصل الحال إلي مايزيد عن 20 مليار جنيه من الخسائر والديون.. وهو رقم مرشح للزيادة إذا استمرت الأوضاع علي ما هي عليه واستمر بيات ملف الاصلاح في أدراج الحكومة.
وتأتي الديون القديمة المستحقة لكل من الضرائب. والتأمينات. والبنوك. والمحليات. والكهرباء والمياه.. علي رأس المشاكل التي تعاني منها المؤسسات القومية.. ويتبعها المشاكل الخاصة بتكلفة الطباعة.. وارتفاع سعر الورق من حوالي 6200 جنيه للطن عام 2012 إلي نحو 17 ألف جنيه للطن حالياً.. ثم ارتفاع تكلفة الاحبار وقطع الغيار اللازمة لصيانة المطابع.. ناهيك عن الحالة المتردية التي وصلت إليها تلك المطابع وحاجتها الملحة إلي التحديث والاحلال والتجديد.. يضاف إلي ذلك ارتفاع تكلفة أجور العمالة والحاجة إلي زيادتها بصفة مستمرة لمواجهة الارتفاع الجنوني في اسعار جميع السلع.. ومسئولية المؤسسات للارتقاء بمستوي معيشة العاملين بها.. وفي ظل ذلك كله يأتي ثبات سعر بيع النسخة.. إما بدافع الخوف من تراجع المبيعات.. أو بدافع الحرص علي دعم المواطن باعتبار أن الصحيفة لا تقل أهمية عن رغيف الخبز المدعم.. وبعد ذلك كله تأتي مشكلة التطور التكنولوجي وصراع البقاء الذي تخوضه الصحف الورقية في العالم كله مع المواقع الالكترونية والقنوات الفضائية التي غيرت كل الاساليب الصحفية المتعارف عليها للتعامل مع الأخبار والاحداث المحلية والعالمية.
إن ملف الإصلاح المالي للمؤسسات الصحفية القومية تم إعداده منذ أكثر من 15 عاماً.. حين كلف الرئيس الأسبق حسني مبارك وزير المالية حينذاك الدكتور يوسف بطرس غالي باعداد هذا الملف.. وتمت دراسته بالفعل عن طريق أحد المكاتب الاستشارية الكبري.. وتم تحديد المشاكل بالتفصيل ووضعت الحلول اللازمة.. لكن كعادة الحكومة السابقة وعجزها عن التصدي للمشاكل الجماهيرية الكبري.. فقد رفضت اتخاذ قرار الاصلاح.. ودفنت الملف بما فيه ضمن الملفات المسكوت عنها.. فتفاقمت المشاكل وزادت الديون واتسع جرح الخسائر.. حتي جاء المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء السابق وقرر استخراج الملف وتشكيل لجنة وزارية لمتابعته برئاسة الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والمتابعة والاصلاح الاداري.. ثم انتقل الملف إلي وزير قطاع الاعمال الاسبق الدكتور أشرف الشرقاوي.. ثم الوزير الذي جاء من بعده خالد بدوي.. وأخيراً استقرالملف في يد الوزير الحالي هشام توفيق الذي بدأ يقرأ ويفكر ويفكر.. والجميع في انتظار الحلول.
إن الدور الهام الذي تقوم به المؤسسات الصحفية القومية في توصيل رسالة إعلامية متوازنة يفرض علي الحكومة التدخل العاجل لانقاذها من الانهيار.. ومشاكل تلك المؤسسات اصبحت واضحة للجميع.. لكن الحلول تحتاج إلي رؤية شاملة وقرارات جريئة.. وقبل كل ذلك إرادة سياسية لاتخاذ تلك القرارات اليوم وليس غداً.