تكلمت فى مقال سابق عن "الغيبوبة الإعلامية العميقة" حيال ما تقوم به المؤسسة الدينية من جهد واضح فى تصحيح المفاهيم، والرد على شبهات المتطرفين، والتقصير المتعمدفى متابعة هذه الجهود وإظهارها بالشكل اللائق، من قبل الإعلاميين الذين يقدمون برامج - للأسف هى الأكثر مشاهدة - على فضائياتنا المصرية.
واليوم أتحدث عن التهريج الإعلامى من نفس مقدمى تلك البرامج، الذين لا يدركون أهمية وخطورة الوسيلة الإعلامية التى يتحدثون من خلالها، أو هم يدركون ويتعمدون تسطيح القضايا التى تخدم استقرار الوطن، ويعمقون توافه الأمور، ويضعون اللعب موضع الجد .. جريا وراء صناعة مشاهدة أعلى والحصول على إعلانلات أكثر .. حتى تنتفخ جيوبهم أكثر واكثر.
من عجيب الأمور أن يهتم هؤلاء الإعلاميون بماتش كورة، وينحاز كل مذيع للنادى الذى يشجعة، ويتحدث بما يؤيد وجهة نظره هو، ثم يستضيف كل واحد منهم نقاد رياضيين ليحللوا ويدققوا ويجملوا ويفصلوا فى قضية تافهة من الأساس لا تستحق أكثر من خبر لا يزيد على ثلاثة سطور، وخاصة أن برامجهم متنوعة وليست متخصصة فى الرياضة.
فى الوقت نفسه تجد هؤلاء الإعلاميين أنفسهم يهملون فتوى أقل ما توصف به أنها فتوى غبية جاهلة صادرة عن شخص أحمق يدعى العلم الشرعى، ومن أولوياته إثارة الفتن والترويج لما يهدم ولا يبنى، ويفرق ولا يجمع .. على عكس مراد الشرع الحنيف.
فمتى تكون الأولوية لمناقشة مثل هذه الفتاوى المتعلقة بتحريم تهنئة نصارى مصر بأعيادهم، إذا لم يكن الآن؟.. ولماذا التجاهل لفتوى دار الإفتاء التى ترد على هؤلاء المتطرفين، و كذلك تجاهل جهود وزارة الأوقاف فى هذا الصدد التى تعقد الندوات والمحاضرات والدروس على مدار الأسبوع فى مساجد مصر كلها لتوضيح صحيح الدين والرد على شبهات المتطرفين، بل أصدرت سلسلة من الكتب فى عهد الوزير الحالى الدكتور محمد مختار جمعة لتحرير المسائل الجدلية التى يروج لها أنصار الجماعة الإرهابية، ومن يسلكون دربهم من المتسلفين الرجعيين المسيئين للسلف الصالح أجمعين، ابتغاء الفتنة، وابتغاء النيل من الوطن ومن علماء الأزهر الشريف.
ومتى يضطلع المجلس الأعلى للإعلام بمهامه فى توجيه هؤلاء الإعلاميين لاستخدام برامجهم فى تناول القضايا التى تساعد على بناء الوطن، والمساهمة فى استعادة هوية الشخصية المصرية، والعمل على إعادة صياغة أخلاقيات المجتمع بأسلوب علمى مدروس، وخطة ممنهجة يساهم فى وضعها علماء النفس والتربية والتعليم والاجتماع وكذلك علماء الدين؟.
الأولى بالمجلس الأعلى للإعلام، والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام.. القيام بهذا الدور ، وقد أعلنوا من قبل فى مؤتمر صحفى أنهم يقومون بواجبهم، وأنهم يتمتعون بكل الصلاحيات حتى إعلان التشكيل الجديد لهذه الهيئات.
لن يستقيم أمر الإعلام فى مصر.. إلا بتولى قيادات وطنية مخلصة تعى خطورة ما يقدمه الإعلام للناس، وتعمل على تغيير وجه الحياة فى مصر إلى الأفضل فى شتى المجالات، ولا تستجيب لرغبات الجمهور سيما إن كانت هذه الرغبات تسهم فى تسطيح أفكار الشباب، وتعمق التفاهات بداخلهم، ولا تقدم رؤية مستقبلية على قدر كبير من الوعى بالأولويات، وإدارك المسئولية الوطنية والمجتمعية، والإيمان بأن عمل الواجبات مقدم على المطالبة بالحقوق، وأن مساندة الدولة الوطنية والعمل على نهضتها ليست مسئولية رئيس الدولة أو الحكومة والنظام فحسب، إنما هى من أهم الواجبات التى ينبغى أن يقوم بها كل مصرى فى مجاله.
والله من وراء القصد وهو الهادى إلى سواء السبيل.