رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

كشفت دراسات واحصاءات حديثة عن ارتفاع معدلات الاصابة بالامراض النفسية والعصبية في مصر خلال العقود الاخيرة حيث تسربت الي نسبة لا يستهان بها من شبابنا مشاعر اليأس والاحباط وأنماط متعددة من المشكلات النفسية رغم حالة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي التي يعيشها كثير من المحبطين واليائسين.. أي أن هذا الاحباط ليس وليد متاعب ومعاناة معيشية. بل هو آفة اصبحت تسيطر علي بعض شبابنا. وهو بالتأكيد مشكلة لاينبغي ان نغفل عنها خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وادمان المحبطين لها ونشر احباطهم ومشاعرهم السلبية علي الاخرين.
ورغم ان سيطرة المشاعر السلبية علي نفوس الشباب ظاهرة عالمية كما يؤكد كبار اساتذة الطب النفسي في العالم والدليل زيادة معدلات الانتحار بين الشباب في اكثر دول العالم رقيا وازدهارا اقتصاديا واستقرارا معيشيا.. الا ان ترك المحبطين من شبابنا ينشرون القيم السلبية بين الشباب يمثل خطرا بالغا علي شبابنا. فلن يعمل شاب كما ينبغي ان يكون العمل وهو محبط وفاقد للأمل.. ولن يفكر شاب في تغيير واقعه وبذل الجهد اللازم لتحسين وضعه وهو يؤمن بأن كل شئ يتم بالواسطة والمحسوبية.. ولن يبحث شاب عن عمل مناسب يوفر له مقومات الحياة الكريمة وهو يعتقد ان الوظائف المميزة محجوزة للمعارف والمحاسيب ومن قبلهم أبناء اصحاب النفوذ.
لذلك فإن مواجهة اسباب ودوافع الاحباط مسئولية مؤسسات وجهات عديدة حيث ينبغي اولا ان نبني جسور الثقة بين الشباب ومختلف مؤسسات الدولة وان نؤكد لشبابنا بأن ما يتسرب الي أذهانهم من وصول البعض لاهدافه بالرشوة والمحسوبية والواسطة ليس ظاهرة في مصر وان الاكفاء يأخذون حقوقهم في كل المواقع وان الدولة من خلال أجهزتها الرقابية تسعي جاهدة لمحاصرة المستغلين لمناصبهم ومواقعهم والمدمنين لنهب حقوق غيرهم وأنها مستعدة للتحقيق في أي واقعة استغلال للنفوذ من جانب أي مسئول مهما كان موقعه.
***
منذ أيام قصدني أحد الشباب في مساعدته للحصول علي وظيفة في إحدي المؤسسات المهمة في الدولة فحاولت جاهدا اقناعه بأنني لا أملك ان أضمن له ولا لابني وظيفة في هذا المكان أو غيره وعليه ان يتقدم مع اقرانه ويدخل الاختبارات ويثبت انه الاجدر بالوظيفة حتي يظفر بها.. فرد بما يؤكد عدم قناعته بكلامي وردد بعض العبارات التي تؤكد يأسه وإحباطه من عدم وجود "سند" له لكي يظفر بالوظيفة التي يتطلع لها كثير من الشباب.
للاسف.. هذه القناعة تسيطر علي بعض شبابنا أو كثير منهم وهي قناعة من الخطأ إهمالها او تجاوزها وترك من تسيطر عليهم يخبطون رؤوسهم في الحوائط.. بل يجب علي كل المسئولين كل في موقعه ان يقدموا ما يدحض هذا الاعتقاد الخاطئ ويفتح آفاقا من التفاؤل في نفوس الشباب ويبني جسور الثقة بينهم وبين كل مؤسسات الدولة.
لابد ان نعترف بأن شبابنا يعيش تحت سلسلة متواصلة من الضغوط واصبحت هذه الضغوط تشكل جزءا من تفاصيل حياته اليومية.. وهو احتقان لاتصنعه بالضرورة مشكلات أو أزمات. بل قد تصنعه معلومات خاطئة ومفاهيم مغلوطة وقناعات تحتاج الي تصحيح وتقويم.. وهذا التصحيح والتقويم لا ينبغي ان تهمله كل مؤسسات الدولة. بل ينبغي أن يتسابق كل المسئولين في تأكيد ان الدولة تواجه الفساد بكل صوره وبكل حسم. وأنها لن تترك فاسدا او مستغلا لنفوذه يهنأ بما اقتنصه لنفسه أو لأحد أبنائه أو أقاربه أو معارفه.. فالكل أمام عدالة الدولة سواء.
***
ايضا ينبغي أن يكون لعلماء ودعاة الأزهر والأوقاف دور واضح في مواجهة المشاعر السلبية من خلال نشر القيم الروحية التي تحث علي الكفاح وبذل اقصي الجهد لتحقيق الطموحات مع الرضا بما قدره الله.. فكثير من شبابنا يفتقدون الرضا والقناعة وتسيطر علي نفوس بعضهم حالة غريبة من الطمع والغيرة المرضية من نجاح الاخرين وعدم قدرتهم من اللحاق بهم.
علينا ان نتعامل بموضوعية مع كل الاسباب التي تؤدي الي اصابة شبابنا بالاحباط وان يؤمن الجميع بأن الاستقرار النفسي الذي نتطلع اليه لشبابنا يتحقق بالمزيد من الطموح والعمل الجاد. والسعي لتحسين الواقع أو تغييره.. فنحن أتباع دين يواجه اليأس والاحباط وكل من يتعرف علي تعاليم هذا الدين العظيم وما جاء به من قيم وآداب واخلاقيات يدرك انه دين حياة. وليس دين أموات.. دين يغرس في الانسان حب الحياة والعمل من أجل التعمير والبناء والانتاج والعمل للمستقبل. وعلمنا ديننا ان نعيش علي الامل. وان نجتهد في اصلاح احوالنا وعلاج امراضنا. وان نبذل كل الجهد والطاقة في العمل المفيد النافع لنا ولغيرنا. ثم نترك بعد ذلك النتائج علي الله. وقد بشرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن الله سيصلح من أحوالنا اذا ما أصلحنا من أنفسنا فقال: "إن الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم".
ديننا يرسم لنا من خلال تعاليمه الطريق الصحيح لمواجهة كل مشكلات الحياة ويسلحنا في كل المواقف بعقيدة الايمان بالقضاء والقدر. فلا يحدث في ملك الله شيء خارج عن تقدير الله لعباده. وهذه العقيدة لاتحض علي الاستسلام كما يتوهم البعض. بل هي تضفي علي نفس الانسان الذي يعمل ويجتهد لحل مشكلاته وانهاء أزماته والتخلص من مشكلاته رضا وطمأنينة بأن ما انتهي اليه أمره هو من تقدير الله له. وعليه ان يرضي بذلك ولا يكف في الوقت نفسه عن السعي الي تحقيق طموحاته.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة