معا للمستقبل
* لا تتواني قوات حفظ الأمن من الجيش والشرطة عن توجيه ضربات استباقية ناجحة للإرهاب أينما وجِد. وآخرها ما جري من استهداف 40 إرهابياً في الجيزة وسيناء منذ أيام..لكن سيظل السؤال : هل تكفي الجهود الأمنية وحدها -علي أهميتها القصوي- لاستئصال شأفة هذا الإرهاب اللعين الذي تنتهجه تنظيمات متعددة خرجت كلها - وكما تقول الأبحاث والدراسات- من رحم جماعة الإخوان الإرهابية التي لا تزال رغم وجود قياداتها في السجون رهن المحاكمات تمثل خطراً داهماً..ليس بشن عمليات إرهابية بين الحين والآخر فحسب ولكن ببث شائعات ومعلومات مغلوطة وفبركة أخبار كاذبة عبر قنواتهم المحرضة وكتائبهم الإلكترونية التي تعمل بنشاط لزعزعة استقرار مصر وتشويه صورتها في أعين الخارج.
لا تتوقف محاولات التخريب التي تقوم بها الجماعة الإرهابية عند حدود التفجير واغتيال الآمنين علي أرض الوطن بل تتجاوز ذلك إلي بث الشائعات المغرضة باستمرار لإحداث حالة من الإحباط الشعبي وصرف الناس عما تحققه الدولة من نجاحات وإنجازات تزداد يوماً بعد الآخر. وتصدير الفتنة والفوضي وهو الرهان الذي لا تزال الجماعة المحظورة وحلفاؤها يراهنون عليه. اعتقاداً منهم بأن عجلة الزمن يمكنها العودة للوراء. ناسين أن الشعب لفظهم بعد أن جربهم في الحكم عاماً عاش خلاله ويلات وأزمات عمت المنطقة كلها حتي خرج ثائراً ضدهم وحتي يخرج من النفق المظلم الذي دخلت فيه البلاد تحت قبضتهم.
ويبدو طبيعياً في سياق كهذا ألا نطمئن لهذه الجماعة الإرهابية ولا لمن لا يزالون يحملون فكرها الضال ويسعون به بين الناس.. ولا يقلل من هذا الشعور ما جربه الناس تحت حكم الجماعة من إقصاء وتكويش وإرهاب بلغ حد حصار المحاكم وتعطيل العدالة وإشهار السلاح في الوجوه جهاراً نهاراً. ولا ما أصدره القضاء من أحكام باتة ضد قياداتها وأعضائها ولا ما توصلت اليه التحقيقات وشهادات الشهود وآخرهم الرئيس الأسبق حسني مبارك التي أظهرت ألاعيبهم وأباطيلهم وإجرامهم ..بل إن ذلك كله ينبغي أن يكون حافزاً ودافعاً لاتخاذ إجراءات شاملة علي الأرض لتجفيف منابع هذا الفكر الضال. فقد علمنا التاريخ ألا ننخدع بمن يتسترون بشعارات دينية بهدف الوصول لأغراض سياسية» فجماعة الإخوان تتلذذ بالكذب والافتراء الدائم علي مصر وشعبها.
وظني أن الجماعة الإرهابية لو استمرت في حكم مصر لباعت سيناء بالفعل. وهو الأمر الذي جري التخطيط له والاتفاق عليه موثقاً مع الأمريكان خلال العام الذي حكموا فيه البلاد ..فإذا كنا بصدد معلومات مؤكدة جاءت في شهادة الشهود الذين أدلوا بأقوالهم في محاكمات الإخوان ..وإذا كنا علي يقين من أن الجماعة الإرهابية مارقة لا تعرف غير ترويج الشائعات سبيلاً لضرب استقرار مصر واقتصادها وتهديد أمن الأمة العربية والإسلامية بأسرها عبر إشاعة البلبلة والفوضي بين مواطنيها وهو الدور الذي تفوقوا فيه علي أعدائنا التقليديين فلمَ السكوت علي أعضاء تلك الجماعة وفلولها ..لماذا لا يستنفر المجتمع جهوده وطاقاته لمحاربة الفكر الضال بالفكر الرشيد المعتدل حتي يتيقن الشباب المغرر بهم والمحتمل انضمامهم لتلك الجماعة المحظورة من تهافت فكرها وخطورته علي الأوطان والمستقبل..لماذا لا تزال مؤسساتنا المعنية تراوح مكانها في مسألة تجديد الفكر بشتي صوره وتنقيح الثقافة وتقويم السلوك الجمعي لبلوغ حد الاستقامة والاستنارة وتعبئة الطاقات لخوض معاركنا الحقيقية مع الجهل والعشوائية والتطرف والتواكل والمرض والتخلف.
لقد أظهرت محاكمات عناصر الإخوان خيانة قياداتهم وتآمرهم وتشددهم..كما أكدت ذلك دراسات ووثائق أجنبية وآخرها وثيقة أمريكية تسربت من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تؤكد بوضوح أن الإخوان جماعة متشددة خرج من رحمها كل حركات العنف والتطرف التي أفرزت آلاف المتشددين الذين تورطوا في عمليات إرهابية عنيفة هنا وخارج هنا..كما أن جميع التنظيمات الراديكالية المتشددة استلهمت أفكارها من كتابات سيد قطب الذي تحول إلي مرجع فكري التف حوله المتشددون ..الوثيقة الأمريكية أشارت كذلك إلي الدور الخطير الذي لعبه يوسف القرضاوي مفتي جماعة الإخوان في نشر أفكارها الهدامة الخبيثة بين صفوف أفرادها.
مجمل ما قاله المنشقون عن جماعة الإخوان الإرهابية وعيرها من تنظيمات التطرف والعنف. وما أدلي به شهود محاكمات عناصر الجماعة الإرهابية. وما أكدته الدراسات والوثائق المتعاقبة عن أفكار التطرف ودور الإخوان في صناعتها. وما انتهت إليه حيثيات تلك المحاكمات وما قاله بعض قيادات الأجهزة الأمنية والسياسية وآخرهم مبارك وما نستخلصه من عبر التاريخ ..كلها تؤكد بما لا يدع مجالاً لأي شك أن نهج الإخوان لن يتغير مهما ادعوا غير ذلك»فالجماعة منذ أسسها مرشدها حسن البنا عام 1928 عرفت طريقها إلي دوائر السلطة أياً ما تكن طبيعتها وشخوصها ودارت في فلكها وانتهجت تكتيكاً براجماتياً مراوغاً تتقارب تارة مع الحكم في العلن. وتتآمر في الخفاء تارة أخري وتسلك في كل الأحوال مسلكاً انتهازياً يعلي صالح التنظيم علي كل ما سواه حتي ولو كانت المصالح العليا للوطن الذي لا يعدو في نظرهم مجرد حفنة تراب عفنة لا قيمة لها ..فماذا ننتظر من تلك الجماعة التي لا تتورع عن انتهاز الفرص وركوب الموجة ومراوغة كل الأنظمة ومداهنة الرؤساء ثم الانقلاب عليهم» ومن ثم فلم يكن مستغرباً ما فعله النقراشي باشا الذي حظر تنظيم الإخوان وصادر مقارهم وممتلكاتهم لأول مرة أيام الملكية ثم جاء عبدالناصر ليزج بهم في السجون ويحول دون ممارستهم السياسة ولم يسلم السادات من أذي ذلك التيار الذي اغتاله بدم بارد يوم احتفاله بذكري النصر العظيم في 6 أكتوبر رغم أنه هو الذي أخرجهم من السجون ومنحهم قبلة الحياة بالعودة إلي السياسة ثم هادنهم مبارك تارة وضيق عليهم الخناق تارة أخري حتي خرجت ضده احتجاجات يناير 2011 وما أعقبها من أحداث جسام كنت أرجو لو أفاض الرئيس الأسبق مبارك في شرحها أمام محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار الجليل محمد شيرين ليقدم للرأي العام حقيقة جماعة الإخوان ومخططاتها الشيطانية ومؤامراتها مع الأمريكان للقفز علي السلطة و تركيع مصر من أجل تنفيذ ذلك المخطط الشيطاني الذي أوقفته ثورة 30 يونيو الشعبية.
80 عاما وأكثر هي عمر جماعة الإخوان التي عملت خلاله بكل ما أوتيت من قوة لتقسيم الشعب المصري وتشويه ثقافته وطمس هويته.. فهل يأتي بعد ذلك من يتعاطف مع هؤلاء الذئاب الذين ينهشون في هوية هذا البلد..وكيف نأمن لهم ونترك فلولهم يتلاعبون بمصالح الناس ويحدثون الفوضي ويثيرون الحنق علي الحكومة..؟!
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الإخوان جماعة لا عهد لها ولا ذمة ..وقد شهدنا كيف تنصلت من وعودها تارة بعدم خوض انتخابات الرئاسة وتارة بعدم الهيمنة والإقصاء للفصائل الأخري ولم تلتزم بشيء من ذلك ونسيت ما كانت تردده من قبل عن مبدأ "المشاركة لا المغالبة" و نقضت عهودها وتآمرت مع الغير لحساب الخارج ..وأحسب أنها كانت فرصة ليكشف مبارك زيفها وألاعيبها ويسقط الأقنعة عن وجوه قادتها الذين ارتضوا دور العمالة علي حساب الوطن الذي لا يرون له فضلاً يفرض عليهم الولاء لترابه ورايته ولا يتورعون عن استهدافه تارة بالشائعات .وتارة أخري بالأعمال العدائية والتخريبية.
ومع بداية عام جديد طرق أبوابنا منذ ساعات نري مصر وقد قطعت- رغم ما تعانيه من ظروف اقتصادية وإرهاب غاشم- شوطاً كبيراً علي طريق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي تحت قيادة الرئيس السيسي الذي حمل روحه علي كفه ضد محاولات اختطاف مصر وإرهابها ..ولولا تلك الجسارة والفدائية من وزير الدفاع وقتها لكانت مصر اليوم في نفق مظلم لا يعلم إلا الله نهايته تحت حكم الإخوان الذين أعلنوها صراحة أنهم باقون في الحكم 500 عام.
في مطلع العام الجديد يتجدد الأمل أن تنهض الجهات المعنية والمجتمع المدني كله بمهمة تأخرت كثيراً وهي تجديد خطابنا الديني والفكري والثقافي والإعلامي بشكل متوازن» ذلك أننا لا نزال نراوح مكاننا في هذه الملفات ولم نحرز فيها نجاحاً يضاهي ما أحرزته الدولة من نجاحات مذهلة في المعالجة الأمنية لملف الإرهاب الذي هو أخطر آفات العصر.
حروب الأفكار هي ساحة معركتنا مع الإرهاب» ذلك أن أخطر الأفكار هي التي ترتدي ثياب الدين ثم تراوغ لتكسب مساحة في عقول النشء والشباب المغرر بهم الذين تستخدمهم الجماعة الإرهابية وتنظيمات التطرف المنبثقة عنها وقوداً في حربها المنظمة ضد الدولة وهي الحرب التي أضرت بالدين أبلغ الضرر حين لم تجد من يتصدي لها ويفندها في مهدها بأسانيد جاذبة وحجج قوية.
ورغم كل ما تسبب فيه الإرهاب وجماعاته من تخريب وترويع فلا نزال نري هنا وهناك من يشككون في الأحكام القضائية الصادرة بحق أعضاء بجماعة الإخوان جزاء لما ارتكبوه من عنف وقتل وإضرار بالبلاد ولاسيما منظمات حقوق الإنسان المشبوهة التي اعتادت معاداة مصر..والمدهش أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان تفعل ذلك وتنسي أن أعتي الدول ديمقراطية وليبرالية لا تسمح لكائن من كان بتناول أحكام قضائها ..فكيف تقوم لدولة قائمة إذا ما جري السماح بانتهاك أحكام قضائها أو جرجرة قضاتها لمعترك السياسة وتسييس أحكامهم تعسفاً وزوراً وبهتاناً..وهل ينسي هؤلاء أن الإخوان هم من حاصروا المحاكم وخاصة الدستورية لمنعها من إصدار حكمها بحل مجلس الشوري وقتها وتعيين نائب عام خصوصي من قبل مرسي في انتهاك صارخ لاستقلال القضاء. ناهيك عن الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء ومحاولة فرض قانون مشبوه للسلطة الفضائية علي القضاة عنوة وقسراً..وهو ما رفضه بقوة نادي القضاة برئاسة المستشار أحمد الزند.
لقد اجتمع الرئيس السيسي منذ أيام مع مجلس القضاء الأعلي لإيمانه بقيمة القضاء واحتراماً لأحكامه وتأكيداً لاستقلاله ..فاحترام القضاء هو انتصار للعدالة أهم أركان الحكم. وهو ما يعني أن مصر دولة تحترم سيادة القانون وسوف تظل بخير ما دامت تعلي أحكام القضاء وتوقر رجال العدالة.