بحت أصوات المتخصصين من أهل العلم الشرعى لبيان أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والمستفتى، والأمثلة على ذلك كثيرة منذ عهد النبوة والصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة.
وللأسف الشديد ما زالت الجماعات المتطرفة وأصحاب العلم الناقص من ذوى الأفهام السقيمة والنظرة القصيرة يصرون على تصدير الفتاوى المعلبة منتهية الصلاحية لإفساد العقول والأبدان والأوطان معا.
من أبرز هذه الفتاوى الفاسدة منتهية الصلاحية التى تظهر مع بداية كل عام ميلادى ابتغاء الفتنة وتفريق أبناء الوطن الواحد، وتحقيق مصلحة دنيئة لأعداء الأمة، هى فتوى تحريم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، ورغم وضوح فساد هذه الفتوى بتعميمها على جميع المخالفين فى الدين دون النظر إلى إذا ما كانوا محاربين أو مسالمين، تجد الفئة الضالة جاهزة على الدوام لنزع فتيل الفتنة وتفجيرها فى وجه المجتمع، ضاربين عرض الحائط بفعل الأئمة الأعلام القائمين على رأس المؤسسة الدينية فى مصر.
الهدف الواضح الجلى من ترويج هذه الفتوى الفاسدة هو الوقيعة ليس فقط بين المسلمين وغيرهم، وإنما بين المسلمين أنفسهم حيث يبدو على غير الحقيقة التناقض بين الفتوى الزائفة وفعل أئمة المسلمين، فتسقط هيبتهم فى نفوس العامة، ويسهل بعد ذلك على أئمة التطرف الترويج لمقولة "علماء السلطان"، وأن هؤلاء العلماء الذين يهنئون غير المسلمين بأعيادهم يسترضون الحاكم الذى يحرص هو الآخر على تهنئتهم باعتباره رئيسا لكل المصريين، وما يغيب عن هؤلاء المعاتيه أن رئيس الدولة لا يقبل مخالفة أهل العلم الشرعى، وهو تبع لهم فى ذلك وليس العكس.
فقد توجه الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، حراً مختارا على رأس وفد أزهرى رفيع المستوى إلى مقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لتهنئة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية والإخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد.
ومن جانبه، أكد وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة، على أهمية دعم وتقوية روابط الوحدة الوطنية والأخوة التى تجمع هذا الشعب الأصيل العصى على الاختراق، موضحا أن سماحة الأديان وعمق الفهم الوطنى كفيلان بصد جميع المحاولات الخبيثة التى تحاول النيل من وحدة صفنا وبنائنا الوطنى الصلب، ولم يكتف وزير الأوقاف بتقديم التهنئة بشخصه إلى البابا تواضروس الثانى، بل أصدر تعميما لمديريات الأوقاف جميعها بضرورة توجه مدير الإدارة ومعه وفد من المديرية لتقديم التهنئة للكنائس التى تقع فى زمام المديرية.
ثم إليكم ما استقرت عليه الفتوى فى مصر وغيرها تبعا لأزهرنا الشريف، وهو ما يصدر عن دار الإفتاء المصرية متجردا لله بشأن حكم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، حيث قالت: "لا مانع شرعًا من تهنئة غير المسلمين فى أعيادهم ومناسباتهم، وليس فى ذلك خروج عن الدين كما يدَّعى بعض المتشددين غير العارفين بتكامل النصوص الشرعية ومراعاة سياقاتها، وأنها كالجملة الواحدة، ولم يفرق المولى عز وجل بين المسلم وغير المسلم فى المجاملة وإلقاء التحية وردها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، والتهنئة فى الأعياد والمناسبات ما هى إلا نوع من التحية.
أما ما استشهد به من افتوا بعدم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم من نصارى ويهود: فإنما هى نظرة قاصرة للنص القرآنى، حيث لم يرد ذلك صريحًا، وأما دعوى التشبه والموافقة على شعائر غير المسلمين، فالمنهى عنه شرعًا التشبه والموافقة فى الأفعال والاعتقادات التى نهى الإسلام عنها أو خالفت شيئًا من ثوابته.