المؤسسة الدينية لا تألو جهدا فى التفاعل مع قضايا المجتمع، والحفاظ على وحدة الأمة، وما زال الإعلام المسموع، والمرئى على وجه التحديد فى غيبوبته العميقة التى لا يرجى برؤها، فى ظل سيطرة بعض الأشخاص على القنوات الأكثر مشاهدة، وهم للأسف الشديد يعانون أمية دينية شديدة.
وهؤلاء ليسوا فى حالة عداء مع المؤسسة الدينية فحسب، بل فى حالة عداء دائم مع الثقافة الإسلامية الصحيحة التى تؤخذ من نبعها الصافى الرقراق، فتجدهم يلجأون فى برامجهم الاستفزازية إلى استضافة بعض الذين لا تعترف بهم المؤسسة الدينية ولا يمثلونها ليتحدثوا فى قضايا معقدة وربما شائكة تمس أمن الوطن وحمايته الاجتماعية، فتسمع منهم كلاما عجباً ولا يجدون من يرد عليهم أثناء الحلقة ويعجز مقدم البرنامج عن إسكاته وللأسف بقية الضيوف غالباً ما يحترمون هذا الشخص الدعى لمجرد ان البرنامج قدمه على أنه شيخ أو عالم دين، وهو فى الحقيقة لا يرقى إلى درجة تلميذ فى المعاهد الأزهرية.
لن أستغرق فى ذكر أمثلة، فهى أكثر من أن أحصيها، وهى فى الوقت نفسه لا تخفى على القراء الأعزاء الذين يعانون ما نعانى بسبب هذه الغيبوبة الإعلامية.
إننى فقط أتساءل: ماذا يفعل الإعلام المسموع والمرئى فى القضايا التى تتبناها وزارة الأوقاف، وفى الحملات التى أطلقتها وحققت نجاحات كبيرة داخل مصر وخارجها، وماذا يفعل إعلامنا على وجه العموم فيما تبذله دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف جامعا وجامعة؟؟.
إن ما أصدره وزير الأوقاف مؤخراً من اعتبار الحفاظ على الدولة الوطنية من الكليات التى يجب الحفاظ عليها، فتصير هذه الكليات "ست كليات" بعد ان كانت "خمس كليات" أو الضرورات الخمس وهى مرتَّبة على النحو التالي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسب، حفظ المال.
قال الإمام الغزالي رحمه الله: "إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة".
فحين يأتى الدكتور مختار جمعة ويضيف كلية أخرى أو ضرورة سادسة إلى هذه الضرورات الثابتة المستقرة، ولم يعارضه فى ذلك أحد من العلماء المعتبرين فرادى أو مجتمعين، وصار صمتهم يشبه الإجماع على قبول الفكرة السديدة الرشيدة، ورغم ذلك لم يضبط مذيع واحد حتى الآن متلبسا بمناقشة هذه القضية التى تمثل جرأة علمية تغيب عن كثيرين، والسر فى ذلك أن هذا الرأى يخدم المصلحة العامة، ويعمل على استقرار الدولة والنهوض بها، فيتم تجاهله بهذا الشكل العجيب الغريب المريب، وفى الوقت نفسه حين يصدر رأى شاذ من شأنه أن يثير اللغط والجدل، ويحدث بلبلة فى المجتمع، فتجدهم يسارعون إليه ويدافعون عنه وإن اعترض عليه أهل العلم من المختصين.
مثال آخر: ما يحدث فى دار الإفتاء على مدار اليوم، فضلا عما ينشره موقعها الإليكترونى من تصحيح المفاهيم ورصد الفتاوى الداعشية والرد عليه، وأخيرا أصدرت وحدة الرسوم المتحركة بدار الإفتاء فيديو "موشن جرافيك"، أكدت فيه أن المواطنة مبدأ إسلامى أقرته الشريعة الإسلامية منذ 14 قرنا فى وثيقة المدينة بالعيش المشترك، والمساواة فى الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد دون نظر إلى الانتماء الدينى أو العرقى أو المذهبى أو أى اعتبارات أخرى.
بالله عليكم: ألا يستحق ذلك وغيره اهتماما إعلاميا مناسباً من تلك القنوات التى تصدع رؤوسنا بين الحين والآخر بقضايا مزعجة تثير الغضب لدى عامة الناس وخاصتهم؟.