لوجه الله
في كل دول العالم يتسابق الأثرياء ورجال الأعمال في التبرع بأموالهم وممتلكاتهم لصالح الفقراء واليتامي والغارمين ومن هم في حاجة الي المال وفي مصر كشفت دراسة اقتصادية حديثة أن 18% فقط من القادرين يخرجون زكواتهم بانتظام وأن 65% من عينة الدراسة التي تقدر بـ 1000 مبحوث من كبار التجار والمزارعين ومنتجي الملابس والمواد الغذائية لا يعرفون كيفية حساب الزكاة المطلوبة منهم وأنهم يقدمون مبالغ مالية ومواد غذائية وملابس للفقراء تحت بند الزكاة دون أن يعرفوا ما إذا كان ما يخرجونه هو المطلوب شرعا منهم أم لا!!
وأكدت الدراسة التي أعدها الباحث عبد الخالق حماد بجامعة الازهر أن تلبية مطالب أصحاب الحاجات في مصر لن يتحقق من خلال خزينة الحكومة فحسب. بل لابد من مساهمة حقيقية من رجال الأعمال والقادرين.
والتساؤلات التي تفرض نفسها هنا أمام مشكلة أو ظاهرة انصراف كثير من القادرين عن الوفاء بالتزاماتهم الإنسانية والاجتماعية تجاه الفقراء والمحتاجين: لماذا تراجع الوعي بفريضة الزكاة في مجتمع متدين بطبعه مثل مصر؟ ولماذا ضعف الإحساس بالفقراء ومعاناتهم ونضبت موارد الصدقات التطوعية؟ ولماذا تراجع الوقف الخيري الذي قدم لمصر عطاء خيريا وحضاريا خلال عقود مضت؟
تساؤلات كثيرة ينبغي أن تكون علي مائدة كبار علماء الإسلام وأساتذة الاقتصاد والمعنيين بالعمل الخيري في مصر لأن موارد زكوات المصريين فقط تكفي - كما أكد العالم الأزهري د.نصر فريد واصل مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء في دراسة له- كل فقراء مصر وأصحاب الحاجات فيها ويفيض منها وذلك لو جمعت بانتظام وأنفقت كما أرشدنا الشرع الحنيف.
*****
لقد أوضحت شريعتنا الغراء الحكم الشرعي الواضح والحاسم في الجاحد بالزكاة. وأقل وصف شرعي له أنه "منكر لأمر معلوم من الدين بالضرورة" كما أن هذا الحجود يحرم صاحب المال من منافع ومكاسب كثيرة تحدث عنها العلماء بالتفصيل في العديد من الفتاوي الشرعية وأصبح السؤال المهم الآن: كيف نحفز هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير في مصر للالتزام بما فرضه عليهم دينهم. فالزكاة- وهي أساس العمل الخيري والإنساني- ليست منحة من غني لفقير بل هي واجب ديني وفريضة مشروعة لا يجوز لإنسان أن ينصرف عنها وإلا أصبح خارجا عن دائرة الإيمان.
كثير من الذين يملكون المال لا يدركون بركة الزكاة التي قال الله سبحانه وتعالي في شأنها: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وبعض هؤلاء يغفلون عن أن الزكاة والصدقات التطوعية تعود عليهم بالنفع أكثر ما تعود علي الفقير والمسكين.
وأنا هنا أهدي هذه القصة للجاحدين بالزكاة والصدقات التطوعية لعل ضميرهم يصحو وينشغلون بعمل الخير كما ينشغلون بتكثير أموالهم دون أن يخرجوا للفقراء وأصحاب الحاجات نصيبهم منها .
القصة رواها لي أحد خطباء المساجد الاهلية بمنطقة الهرم حيث حدث عقب الانفلات الأمني ليلة 28 يناير 2011 خروج عدد من اللصوص والمخربين الي الشوارع الرئيسة يقتحمون الشركات والمحلات التجارية ونهب ما بها وإشعال النار فيها لإخفاء جرائمهم.. وأثناء ارتكابهم لجرائمهم في شارع الملك فيصل بمنطقة الهرم وعندما حاولوا اقتحام أحد المحلات التجارية الكبري والتي كانت مغلقة ولا توجد عليها حراسة خرج عليهم المواطنون الفقراء من البيوت المحيطة وتصدوا لهم وأجبروهم علي الهروب.. وهنا تجمع الأهالي وسألوا المدافعين عن المحلات التي تضم منتجات بالملايين ولا يوجد صاحبها وسر اهتمامهم بالدفاع عنها دون غيرها من المحلات التجارية والشركات التي خربت وكان رد هؤلاء عليهم ومعظمهم من حراس العمارات والأسر الفقيرة بأن خير مالك هذه المحلات يعم علي الجميع. فصاحبها رجل خير تعود علي العطف علينا ويساعد المريض والمحتاج منا ويذبح الماشية ليوزع لحومها علينا عدة مرات كل عام.
هذا مشهد واحد يوضح بركة الزكاة والصدقة فقد وفرت الحماية لأموال وممتلكات صاحبها كما وفرت له شخصيا الحماية من عقاب الخالق الذي وهب الانسان المال وأمره بالانفاق منه علي الفقراء والمساكين لينال الأجر والثواب يقول الحق سبحانه: "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةي أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةي مِائَةُ حَبَّةي وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعى عَلِيمى. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًي لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفى عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".
****
لن نعقد مقارنة بين ما يقدمه أثرياؤنا وأثرياء مجتمعات غير مسلمة للفقراء وغيرهم من أصحاب الحاجات فالفرق كبير وصادم للمشاعر.. لكننا نناشد هؤلاء الذين نعموا بخيرات هذا الوطن وكونوا ثرواتهم الطائلة من وراء هذا الشعب أن يتسابقوا في العطاء الخيري والإنساني.
نحن في أمس الحاجة الي نشر الوعي الديني والإنساني والاجتماعي بأهمية وقيمة العمل الخيري لكي نضم الي قافلته كل أصحاب النفوس الطيبة بعد أن يدركوا رسالة المال في الحياة ويعلموا أنهم مجرد أمناء مؤقتين علي هذا المال فينفقون منه بسخاء علي الفقراء والمحتاجين ولا يقفون عند مقادير الزكاة المستحقة.. بل يجزلون العطاء طمعا في مزيد من الأجر والثواب فيبارك الله لهم في رزقهم وفي أولادهم وفي مشروعاتهم. فكل جنيه ينفق عن رضا نفس ورغبة في الأجر والثواب يأتي بعشرة.
نقول لهؤلاء: قدموا بعض أموالكم عن طيب نفس حتي تكونوا من الذين وصفهم خالقهم بقوله "وَآتَي الْمَالَ عَلَي حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَي وَالْيَتَامَي وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ".