رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

انتعاش اقتصادي.. بالعمل والإنتاج

** لا يوجد خبير اقتصادي وطني أو أجنبي إلا ويؤكد أن مصر قادرة علي تحقيق التنمية الشاملة في سنوات قليلة.. بل ويتعجب أغلبهم من تأخرنا عن اللحاق بالاقتصادات الكبري نظراً لما نمتلكه من قدرات وإمكانيات وثروات لا نعرف قيمتها أحياناً ولا نُحسن استغلالها وإدارتها في معظم الأحيان!!
تحسنت المؤشرات الاقتصادية خلال الربع الأول من العام المالي 2019/2018 وبلغت نسبة النمو 5.3% وذلك يرجع إلي حدوث طفرة في قطاعي الغاز والاتصالات.. إلي جانب عائدات قناة السويس والمصريين بالخارج.. ومن المتوقع أن ترتفع نسبة النمو في الربع الثاني الذي يتزامن مع "الموسم السياحي".. حيث تشير بوادره إلي انتعاشة وانفراجة ملموسة في أعداد الأفواج والرحلات السياحية إلي مختلف المقاصد.. ومع ذلك فإن حجم الواردات في تصاعد والزيادة السكانية لا تتوقف.. فلا يشعر المواطن بتحسن كبير في مستوي معيشته ودخله.
تحدثنا في 3 حلقات سابقة عن ضرورة الاعتماد علي الموارد والقدرات والإمكانيات التي تمتلكها مصر وهي كثيرة.. ولكن ليس أمامنا سوي العمل والإنتاج في مختلف المجالات والقطاعات.. خاصة في الزراعة والصناعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وسد الفجوة التي تزيد من فاتورة الواردات.. وفي نفس الوقت نتجه إلي التصدير وغزو الأسواق الخارجية سواء بالمحاصيل الزراعية أو بالصناعات الوطنية.. ولكن السؤال: هل نحن قادرون علي ذلك؟!
قديماً قالوا إن مصر دولة زراعية.. وبالفعل كنا لا نستورد الطعام ونزرع ما يكفي من القمح والخضروات والفواكه.. ونقوم بتصدير القطن طويل التيلة الذي كان مشهوراً في العالم كله ويتفوق علي مثيله الهندي وعلي "البيما" الأمريكي.. ولم نحافظ علي ما في أيدينا!!
ثم جاءت سنوات اتجهنا فيها للصناعة.. خاصة الغزل والنسيج والحديد والصلب والأسمنت وتفوقنا وكنا نصدر.. صحيح أن أغلب الصادرات كانت عن طريق "الصفقات المتكافئة" مع الاتحاد السوفيتي والدول الأفريقية.. ولكن كان عندنا من السلع والمنتجات ما نبادله بالسلاح وبما نحتاجه من مواد غذائية وآلات ومعدات.. ولكننا أضعنا المصانع بعمالها!!
فجأة لا أصبحت مصر زراعية ولا صناعية واعتمدنا علي الاستيراد.. وتحولنا لشراء الطعام والكساء ومواد البناء وكل شيء من الخارج.. ولكن للأمانة زرعنا "الفراولة والكانتلوب" وصنعنا "الشيبسي والكلينكس".. وكانت الجريمة الكبري في حق الأجيال هي البناء علي الأراضي الزراعية ففقدنا أجودها.. وخصخصت معظم المصانع.. فلم نعد ننتج!!
الزراعة.. غذاء وكساء وصادرات
** نحتاج إلي خطة زراعية مدروسة لا تستدعي سوي الإخلاص والإرادة لتحقيق الاكتفاء الذاتي.. أو علي الأقل تقليل الفجوة الاستيرادية من السلع الغذائية.. خاصة أن مراكز الأبحاث لديها من البرامج والطرق الحديثة للري ولاستنباط سلالات مقاومة للحرارة وللملوحة أو لتقليل استهلاك المياه وهو العائق الرئيسي لزراعة الأرز والقمح.. ومن يريد أن يزرع في الأراضي الجديدة عليه بالتوجه إلي مركز البحوث الزراعية أو مركز بحوث الصحراء وسيجد من يرشده إلي أفضل الطرق الحديثة لزراعة المحاصيل الاستراتيجية الغذائية أو القطن والكتان.. وربما يمده بالتقاوي اللازمة.. ولكن يبدو أن أحداً لا يريد!!
يوجد كنز اقتصادي يمكن أن يحقق طفرة في الصادرات المصرية وهو زراعة المحاصيل الزيتية والنباتات الطبية والعطرية.. فإذا كنا نصدر في العام حوالي 5 ملايين طن من الموالح والعنب والفراولة والمانجو والبصل والبطاطس.. فإن دولاً أخري تصدر ضعف هذه الكمية بمليارات الدولارات من هذه النباتات التي نطلق عليها "الأعشاب" ويعرفها العطارون وبعضها يباع علي الأرصفة.. بينما لو أحسنا زراعتها وتسويقها لتهافتت عليها مصانع الأدوية ومستحضرات التجميل والعطور والمبيدات.. ولماذا لا نبدأ في تصنيعها؟!.. وهل يعقل ألا يوجد في مصر سوي مصنع واحد للعطور؟!
منذ 10 سنوات وأكثر عاد إلي مصر من أمريكا خبير في النباتات الطبية والأعشاب من سوهاج وأخذ قطعة أرض في وادي النقرة بأسوان لزراعتها بنبات "الجوجوبا" الذي يستخرج منه الزيوت المستخدمة كوقود حيوي أو للطائرات أو في الأدوية والمستحضرات.. وكان يحلم بتعميم زراعته في الأراضي الجديدة وواجهته صعوبات كثيرة.. وبالطبع هناك غيره ممن اتجهوا لزراعة هذه الأعشاب توقفوا أو زرعوا غيرها.. لأنهم لا يعرفون كيفية "التسويق" الذي هو الفريضة الغائبة لمعظم الصادرات.. إضافة إلي ضعف التغليف والتعليب وهي مهارات لابد من وجود جهات تقوم بها وتدرب المنتجين والمزارعين عليها.
يوجد في بلادنا وصحاريها أكثر من ألفي صنف من هذه الأعشاب التي تبدأ بالشمر والينسون إلي حبة البركة والريحان والفل وصولاً إلي زيت النخيل الذي تفوقت في زراعته ماليزيا وتحتكر إنتاجها علي المستوي الدولي ويدر عليها مليارات الدولارات سنوياً لأنها وجدت ضالتها في محصول واحد تحقق فيه ميزة نسبية وتحتاجه الأسواق العالمية.. بينما نحن حبانا الله بالعديد من الثروات والمحاصيل التي لا نعرف قيمتها حتي ورد النيل وأشجار الغاب "البامبو" التي تنمو طبيعياً في الترع وعلي جوانبها نهدرها ولا نعرف كيف نستغلها!!
عودة الروح للصناعة الوطنية
** .. وعن الصناعة الوطنية.. فحدث ولا حرج.. فأين مصانع الغزل والنسيج والحديد والصلب والمراجل البخارية والنصر للتليفزيون وللسيارات والأسمنت والأسمدة؟!.. فإما تم بيعها بأرخص الأثمان أو أُهملت ولم تُطور آلاتها.. والآن نعود لإنشاء غيرها بعد أن اكتشفنا أهميتها الاقتصادية!
بلا شك لدينا قطاع خاص وطني حقق طفرة في عدد من الصناعات مثل السجاد والسيراميك والأغذية والملابس الجاهزة.. ولكن تبقي الصناعات الاستراتيجية وكثيفة العمالة تحتاج إلي استثمارات لا يمكن سوي للدولة توفيرها.. إضافة إلي ضمان عدم احتكارها والتحكم في أسعارها.. خاصة أنه لا يوجد لدينا شركات متعددة الجنسيات كما في الدول الصناعية الكبري لتقوم بهذا الدور.
مطلوب تذليل جميع العقبات أمام المستثمرين الصناعيين وتشجيعهم علي الدخول في مجالات إنتاجية جديدة ولم بمشاركة الدولة.
سبقتنا العديد من الدول في الاهتمام بالصناعات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الشباب والمستثمرين علي خوض هذه التجربة بشرط عدم تركهم وحدهم ومساعدتهم في الحصول علي الآلات والمعدات والمواد الخام بسهولة.. وتوفير الدعم اللازم لاستمرارهم.. وليس ذلك قاصراً علي التمويل وهو ما توفره الدولة بالفعل حالياً.. ولكن الأهم هو إيجاد منافذ لهم لتوزيع إنتاجهم وتسويقه وتقديم الخبرة والتدريب والإرشاد ومدهم بالأيدي العاملة الفنية وإزالة جميع المعوقات الروتينية.
مازال ينقص السوق المحلية العديد من السلع والمنتجات التي يمكن توفيرها من خلال الصناعات الصغيرة.. فهل يُعقل إننا مازلنا نستورد إبر الخياطة و"السوست" والمسامير وأوراق التعليب والتغليف وفوانيس رمضان وسجاجيد الصلاة.. بل وكل شيء ابتداء من لعب الأطفال إلي السيارات.. وذلك رغم أن محمد علي بدأ ثورة مصر الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر؟!
تقام قوة الدولة بما تنتجه وقدرتها علي الوفاء باحتياجات مواطنيها من الغذاء والسلع والمنتجات.. فالزراعة والصناعة هما أساس النهضة والتقدم ولا وجود للتجارة والبيع والشراء والاستيراد والتصدير إلا بما تعود به الأرض أو تخرجه آلات المصانع.
** في نهاية هذه السلسلة.. نؤكد أنه لابد من الاعتماد علي أنفسنا ومواردنا الذاتية وهي كثيرة.. وليس أمامنا سوي العمل والإنتاج.. أولاً لتحسين معيشة المواطنين.. وثانياً لتحقيق التنمية المستدامة وعلاج التشوهات في الموازنة العامة والقضاء علي الخلل الواضح ما بين الصادرات والواردات والميزان التجاري مع معظم الدول.. والأهم أن تعود مصر ضمن أفضل الاقتصادات في العالم وهي المكانة اللائقة بها والجديرة بالوصول إليها وتستحقها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة