نبض الشارع
استمرار الزيادة السكانية في مصر بنفس المعدلات الحالية أصبح خطراً لا يمكن السكوت عليه. ولم تعد إعلانات التوعية وحملات الدعاية تحقق أية نتائج مرضية. بل تحولت الأموال التي تصرف علي مثل هذه الحملات إلي سبوبة وباباً مفتوحاً للصرف والإنفاق بلا حساب. ولم تعد الاستراتيجية القديمة لوزارة الصحة بتنظيم الأسرة عن طريق منح وسائل منع الحمل تصلح في الزمن الحالي.
هذا الغول يلتهم أي محاولات للتنمية وأي زيادة في معدلات النمو الاقتصادي ويوقف مفعول أي إجراءات تتخذها الدولة لتحسين دخل ومعيشة المواطن وتقديم خدمات تعليمية وصحية أفضل له وللأجيال القادمة.
عدد سكان مصر تضاعف خلال الـ 30 عاماً الماضية. وبلغ نحو 97 مليون نسمة والسكان يزيدون بنحو 2.5 مليون نسمة سنوياً. وبمعدل مولود كل 15 ثانية. وبنسبة تصل إلي 50% من الزيادة السكانية في جميع الدول الأوروبية. وكلها أرقام تثير المخاوف وتبعث علي القلق.. لا ينفع معها الدلع والطبطبة والرجاء وأغاني "حسانين ومحمدين".. بل تدفع إلي ضرورة اتخاذ اجراءات صارمة وواضحة تعكس عدم قدرة ميزانية الدولة علي تحمل هذه الزيادة.. ولا أعني بهذه الإجراءات معاقبة كل من ينجب عدداً معيناً من الأطفال. ولكن أعني ضرورة أن يعلم الجميع أن المرحلة التي كانت فيها الدولة هي "ماما وبابا" قد انتهت.. بعد ان جف "الضرع" الذي كان متاحاً للجميع.. وأنه لا يوجد حكومة في العالم تستطيع ميزانيتها الاستمرار في دعم التعليم والصحة والنقل والكهرباء والبنزين والزيت والسكر والأرز ولبن الأطفال وغيرها من السلع والخدمات التي اعتاد المصريون الحصول عليها بأسعار بعيدة تماماً عن أسعارها الحقيقية... بالإضافة إلي توفير آلاف من فرص العمل لهذا العدد الهائل من الخريجين سنوياً.. خاصة ان نصف عدد السكان تقريباً يقل سنهم عن 25 عاماً.
أكثر ما يزيد مشكلة الزيادة السكانية تعقيداً هو الاصرار علي البقاء داخل الوادي الضيق. والعيش علي 7.8% فقط من المساحة الكلية لمصر.. وما استتبع ذلك من ظهور العشوائيات في المدن. والتعدي الصارخ علي الأراضي الزراعية. وما استتبع ذلك من كوارث اجتماعية. وإهدار لثروة مصر الطبيعية.
لقد كان الرئيس صاحب رؤية ثاقبة حين قرر بناء العاصمة الإدارية وانشاء 44 مدينة جديدة. ووضع خريطة مستقبلية لمصر تعيد توطين السكان مرة أخري وتستغل كل شبر من الأرض. كما كان صاحب قرار جريء تأخر لعقود طويلة بإعادة النظر في منظومة الدعم ووقف الهدر فيها ومنح هذا الدعم لمن يستحق.
بعض الناس اعترضوا علي خطوة وزارة التموين بعدم صرف الدعم لأكثر من طفلين.. علي ان يتم تطبيق ذلك مع البطاقات الجديدة وبدون أثر رجعي.. ونقول لهؤلاء المعترضين "قد يكون من حق كل منا ان ينجب ما يشاء.. وان يشكل أسرته وفقاً لما منحه الله من نعم.. لكن ليس من حقنا أبداً ان نحمل ميزانية الدولة ما لا تطيق".