لوجه الله
يتسابق كل رجال الأعمال والأثرياء في العالم في إقامة مؤسسات تعليمية وتأهيلية لأبناء الفقراء ومحدودي الدخل ويغدقون الانفاق علي تعليمهم وتأهيلهم.. بل بادر عدد من كبار أثرياء العالم بالتبرع بمعظم ثرواتهم لإقامة منشآت ومؤسسات خدمية- تعليمية وصحية وإنسانية- فهم يدركون أن الأموال الطائلة التي يمتلكونها يجب أن توظف لخدمة الإنسان وإنقاذه من الجهل والمرض وتوفير فرص حقيقية له لكي يعمل وينتج ويصبح قادرا علي العطاء ونماذج هؤلاء كثيرة وتطالعنا وسائل الاعلام العالمية كل يوم بأخبار تبرعاتهم وعطائهم الخيري ومساهماتهم في حل مشكلات بلادهم.
هذا الوعي الإنساني والخيري يندر للأسف في بلادنا فكثير من رجال الأعمال والأثرياء في مصر يعتقدون أن بناء المدارس والمؤسسات التعليميةپ مسئولية الدولة وحدها. وأن مساهماتهم الخيرية تقف عند بناء مسجد أو مستوصف أو إقامة جمعية خيرية توزع بعض المساعدات الإنسانية علي الفقراء ثم انتهي دورهم بعد ذلك.
صحيح أن الدولة مسئولة عن بناء المدارس والمؤسسات التعليمية وهي تبني في كل عام مئات المدارس في كل المحافظات وتضيف مئات الفصول لمواجهة الكثافة المتزايدة في قاعات الدراسة في ظل تنامي عدد السكان وزيادة الوعي بأهمية تعليم الأبناء.. لكن بما أن إمكانات الدولة حاليا لا تسمح ببناء آلاف المدارس لاستيعاب الأعداد المتدفقة علي التعليم في كل مراحله.. لماذا لا يكون لرجال الأعمال والأثرياء دور واضح في بناء مدراس وتسليمها لوزارة التربية والتعليم للمساهمة جزئيا في حل مشكلة كثافة الفصول والتي تتزايد بشكل يتطلب وجود حلول عاجلة؟
*****
اعتقاد بعض الأثرياء بأن العمل الخيري يتوقف عند بناء مساجد أو إقامة جمعيات توزع مساعدات إنسانية علي الفقراء اعتقاد خاطيء يحاول كبار علماء الإسلام تصحيحه دائما بفتاوي واضحة لكنها لا تصل الي عقول من يملكون المال ويفكرون في أعمال تعود عليهم وعلي مجتمعاتهم بالنفع.
في حوار مع إمام دعاة العصر الشيخ محمد متولي الشعراوي- رحمه الله- سألته: لو خير رجل ثري بين بناء مسجد وبناء مدرسة ما الأفضل والأكثر أجرا وثوابا له؟
قال العالم الجليل رحمه الله وغفر له: بناء مدرسة تمحو الجهل وتعد أبناء الفقراء لتحمل المسئولية في المستقبل أفضل عند الله من بناء مسجد.. الإنسان الذي يريد أن يعبد الله لن يعيقه عائق ولا يحتاج الي بناء يتعبد فيه ورسول الله صلي الله عليه وسلم يقول "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل".. لكن الأطفال الذين لا يجدون مدرسة تأويهم مع معلميهم لن يخرجوا من بيوتهم ولن يتعلموا.
نحن علي ثقة بأن معظم الأثرياء في مصر لديهم حس ديني ووطني وبداخلهم رغبة في عمل الخير.. لكن ينبغي أن نطور جميعا من الفهم والوعي بمجالات العمل الخيري والإنساني ولا نحصره في مجالات ضيقة لاتعود بنفع كبير علي المجتمع.. وإذا كان الشرع يطالب القادرين بإخراج زكواتهم للمستحقين لها شرعا والذين حددتهم الآية القرآنية "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" فإن المطلوب من الأثرياء في مجالات العمل الوطني ما هو أكثر من الزكاة بكثير.. مطلوب أن نتعلم من أثرياء الغرب والشرق كيف يكون العطاء للوطن وكيف نسهم بجد في حل مشكلاته وإنهاء أزماته.
****
منذ أيام قرأت استغاثة -عبر فيس بوك- لأحد مدراء المدارس من زيادة كثافة الفصول في مدرسته ومدارس القرية الكبيرة التي يعمل بها نتيجة إغلاق عدد من المدارس الأمر الذي دفع كل مدارس القرية الي أن تعمل فترتين يوميا لمرحلتين مختلفتين وكثافة فصول وصلت الي 60 تلميذا وما يسببه ذلك من عناء شديد للتلاميذ وأولياء أمورهم.. وما يحدث في هذه القرية يحدث في مئات من القري بل والمدن فهل سيقف رجال الأعمال والأثرياء متفرجين أمام هذه المشكلة؟
علي أثرياء مصر أن يتعلموا من أثرياء الغرب كيف ينفقون أموالهم في مجالات تعود بالنفع الحقيقي علي المجتمع وكيف يساهموا في رفع المعاناة عن الفقراء ومحدودي الدخل الذين لا يستطيعون تعليم أبنائهم في مدارس خاصة بسبب تكاليفها الباهظة وليس أمامهم إلا المدارس الحكومية.
علي رجال الأعمال الذين وقفت الي جوارهم الدولة حتي كونوا ثرواتهم الكبيرة وحصلوا علي الأراضي لإقامة مشروعاتهم الضخمة بأسعار رمزية أن يردوا الجميل للشعب وأن يتسابقوا في إقامة مدارس وفصول جديدة بالمدارس القائمة لاستيعاب تلاميذ المدارس الحكومية فهذا أفضل مجال للسباق الوطني.
علي رجال أعمالنا الكرام أن يعلموا أن دعم قطاع التعليم ليس دعما للدولة بقدر ما هو دعم لمواطنين يتطلعون الي تعليم أبنائهم وإعدادهم لتحمل المسئولية في المستقبل.. وإذا كان بعض رجال الأعمال قد حولوا التعليم إلي "بزنس" من خلال المدارس الخاصة التي أستثمروا فيها بعض أموالهم وجنوا من وراء ذلك أرباحا طائلة فأقل ما يفعلوه الآن هو المساهمة في إنشاء مدارس أو فصول بالمدارس الحكومية لاستيعاب الأعداد المتزايدة التي تستقبلها المدارس كل عام.
*****
كل فترة نقرأ قائمة طويلة بأثرياء مصر وحجم ما يمتلكون من أموال وشركات ومشروعات تنشرها مجلة"فوربس" المعنية بشئون المال ورجال الأعمال وما خفي عن هذه المجلة هو الأكثر والأضخم.. فمصر ليس بلدا فقيرا وما يملكه قلة من أغنيائها يفوق ما يمتلكه الأثرياء في دول تتمتع بوضع اقتصادي أفضل كثيرا من مصر. ومع ذلك لا نشعر بعطاء حقيقي لأثريائنا في مجال النهوض بالتعليم والذي هو أفضل استثمار لمستقبل هذا الوطن.