أبيض وأسود
"هكذا تعلَّم فايس أنّ الدرس الأوّل من أصول الفنّ الوطنيّ المعقَّد في المخاتلة والوصوليّة بعد تغيير أيّ نظام هو التالي: آلافٌ من الإمّعات والمتبدِّلين يشاركون في التسلّق، لذا فإنّ المنافسة ستكون قاسية علي أشدّها".
الأديب الأسباني كارلوس زيفون في رواية سجين السماء.. الجزء الثالث من رباعية مقبرة الكتب المنسية التي ترجمها للعربية معاوية عبد الحميد.
(1)
آفة مصر علي مر العصور هو طغيان فن النفاق واعتماده كشهادة هامة وضرورية من أجل الوصول إلي المناصب.. مثل دود الأرض يبرز الرجل المخاتل أي المرواغ والمخادع الذي لا يمتلك لا العلم ولا الموهبة ولا الأصل ولا المال، يتقدم الصفوف بنعومة ويناطح بلسانه الحلو ويقلب الحقائق.. هنا يصعد المنافق والوصولي والمخاتل مثل الثعلب علي جثث أهل العلم والمجتهدين.. وأي حديث عن المستقبل لا يقتحم أعشاش فكرة تمكين أهل الثقة علي حساب أهل الخبرة والصنعة هو تعامل برعونة مع مستقبل هذا الوطن.
أنظر حولك في كل المواقع والمناصب هذه النوعية العطنة من أهل الثقة والموالاة.. شلل تتحكم في الوظائف العليا العامة والخاصة من المصانع إلي البنوك إلي الوزارات ودواوين الحكومة والأحياء والمحافظات، وتغييب كامل للعقل والحكمة والمهارة السياسية.. طوابير لا تجيد سوي نطق متلازمة الفشل الدائمة: "تمام يا أفندم".
الخطورة تكمن في أننا لا نتقدم فمع كل نظام يسقط يبدل جيوش الوصوليين والإمعات وجوههم ويستمرون في التسلق والتحكم في شرايين الوطن.. خلع الشعب مبارك وعزل مرسي، ونفس الوجوه في المناصب والإعلام والفن هي هي.. ونفس النظام في الصعود بالسلم الإجتماعي كما هو.. كأننا في بركة مياه راكدة، والمركب لا تحركه الرياح.
(2)
"في هذه الحياة يُغفَر كلّ شئ، عدا النطق بالحقيقة".
كارلوس زيفون في رواية سجين السماء.
(3)
الدرس الثاني الذي يجب أن نتعلمه أنه وسط هذا الغثاء من الوصوليين ومن يلقبونهم بالدولجية وابناء فلان وعلان، لا وجود للحقيقة.. هؤلاء يصنعون حالة من الشعبوية تتهم كل من يقول الحقيقة بأنه مناهض للدولة ومعارض يريد هدم المؤسسات، مع أن الحقيقة المرة أن هؤلاء الحكماء والأبطال والنخبة الذين ينتقدون ويدفعون أثمان باهظة لإعلان الحقيقة وكشف الأخطاء وحدهم هم من يحتاجهم هذا الوطن، هم قناديل النور التي توجهنا للطريق الصحيح، هم من يملكون البوصلة الحقيقية للخروج بنا من الأزمات.
(4)
"نحن نجترّ أفكارنا، وبقيّة الأمم تخترع".. والأهم "ان القدر لا يقوم بزيارات إلي المنازل، إنما ينبغي الشروع في البحث عنه"
كارلوس زيفون في رواية سجين السماء.
(5)
ما نحتاجه بقوة أن نتوقف عن تكرار أخطاءنا.. أن تتوقف مفرخة أهل الثقة والوصوليين.