كلام بحب
** نعشق النيل ونغني له.. ونحتمي به ونعيش علي ضفافه.. تركنا كل الأراضي وتكدسنا حوله لنشعر بالدفء.. فهو شريان الحياة وهبة الإله.. يجري من آلاف السنين بطول البلاد من جنوبها إلي شمالها.. لم يتعب أو يتوقف قلبه الصافي عن التدفق والعطف بأعذب مياه تحمل الخير والنماء.. والغريب إنه لم يَشْكُ يوماً من إهمالنا له وتجاوزنا في حقه!!
عرف الفراعنة قيمة النيل كثروة اقتصادية منحها الخالق لبلادهم.. فقدسوه وقدموا له "العرائس" لأنه يوفر لهم مياه الشرب وري المحاصيل التي بدونها لا يمكن الاستمرار علي وجه الأرض.. فعرفوا الزراعة وتربية الماشية.. وعلي الضفاف كانت الأشجار وحتي ورد النيل وأغصان البردي صنعوا منها الورق.. واصطادوا الأسماك والتماسيح والأهم أنهم جعلوا النهر وسيلة الانتقال والتجارة ليس داخل حدود دولتهم ولكن إلي أفريقيا وأدغالها.
مازال النيل كنزاً لم نكشف كل أسراره.. واكتفينا بالشرب والري وبناء السد العالي لتوليد الكهرباء.. ولم نستفد منه سياحياً إلا يسيراً.. وتراجعنا في استخدامه لنقل الأفراد والبضائع وفي حركة التجارة بين المحافظات.. وحتي صيد الأسماك لم تتحكم فيه الدولة فتركته إما لمن يقومون بالصيد الجائر أو بتركه يتوحش كما كان يحدث في بحيرة ناصر!!
تغاضي المحليات طوال نصف قرن تقريباً عن التعديات علي النيل والعشوائية في اقامة المنشآت علي جانبيه وعلي أراض طرح النهر من أكبر الجرائم التي لن تسامح فيها الأجيال القادمة.. بالطبع إلي جانب السماح بتلويث المياه سواء من الصرف الزراعي أو الصناعي وأحياناً الصحة وهو ما بدأ الانتباه إليه مؤخراً جداً وتم اتخاذ خطوات لعلاجه ولكنها مازالت علي استحياء ولا يوجد فيها حسم ولا حزم ولا شدة في العقاب ولا متابعة مستمرة في التنفيذ.
في يوم من الأيام خلال بداية السبعينيات من القرن الماضي كان الأتوبيس النهري من أهم وأمتع وسائل المواصلات في القاهرة.. وكانت أشهر محطاته أمام مبني الإذاعة والتليفزيون وتحت كوبري الجامعة وكان كثيراً من الطلبة والموظفين يستخدمونه في الذهاب إلي كلياتهم وأعمالهم ليتجنبوا زحام المرور ويستمتعوا في نفس الوقت بنزهة علي صفحة النهر الخالد دون أن يتعرضوا لعوادم السيارات.. للأسف تدهورت الخدمة وأصبحت الأتوبيسات قديمة!!
أين رحلات القناطر الخيرية.. كما أن عندنا قناطر إسنا وقناطر أسيوط الجديدة المبهرة وللأسف لا يستفاد منها في السياحة خاصة المشهد الذي لا يمكن نسيانه لمن يراه عندما ترتفع المراكب إلي منسوب المياه أو تنخفض.. مع ملء أو تفريغ حوض هويس إسنا عند المرور ذهاباً وإياباً؟!
أما مشروع التاكسي النهري فلا ندري لماذا يتعثر ويتأخر زعم أهميته.. فكما يقوم مترو الأنفاق بحل مشكلة للركاب في أوقات الذروة والزحام.. ففتخيل كيف يوفر المواطن المتعجل من الوقت عندما يركب وسيلة في النيل تأخذه من شبرا الخيمة إلي المعادي.. وذلك بالطبع بخلاف انتقال الأشخاص والبضائع ما بين المحافظات وتسيير الرحلات النيلية من القاهرة إلي أسوان لتشجيع السياحة أو إلي السودان وأفريقيا لنقل الصادرات؟!
منذ أيام عين الدكتور هشام عرفات وزير النقل رئيساً جديداً لهيئة النقل النهري هو اللواء ياسر جلال ليواصل عمليات التطوير والاسراع في الاستفادة من هذا الكنز.. ولأن المسئولية كبيرة والاعتداءات علي المجري لا حدود لها.. فمطلوب أن تسانده جميع الجهات الرسمية والمنظمات الأهلية خاصة المعنية بحماية النيل وشرطة المسطحات.
لا نحتاج إلي "الأتوبيس والتاكسي" فقط.. ولكن يمكن "التوك توك" النهري أيضاً الذي يكون عبارة عن لنشات صغيرة مثل "الجيت سكي" ويسرع بالزبون ليصل إلي مبتغاه دون توقف.. وهناك من يمكنهم تنظيم حملات ارشادية خاصة في القري التي يمر بها النيل.. ومراكز الأبحاث تقدم الجديد في تقليل استخدام الري بالغمر أو الاستفادة من النباتات والأحياء النهرية.. ولماذا لا نفكر في عودة سباقات النيل الدولية للسباحة الطويلة.. وهناك أيضاً ضرورة لتشجيع المعديات كما كان يحدث قديماً مع التأكد من التراخيص وعدم زيادة الحمولة الذي يتسبب في كوارث مطلوب زيادة الاستثمارات في مجال النقل النهري وفي توفير مراكب للصيد وأخري للرحلات السياحية.. وإقامة متنزهات علي ضفاف النهر وعلي أراضي الطرح بعد ازالة كل المخالفات والتعديات والأهم بالطبع زيادة التوعية في المدارس والمساجد والكنائس والإعلام بالحفاظ علي هذا المجري المائي الذي لا يوجد له مثيل في العالم وتحسدنا عليه الشعوب ولو عندهم مثله لرأينا العجب من حسن تقديرهم واستغلالهم له.. بل لو وصلوا إلي حد تقديسه وتقديم "العرائس" له كما فعل الأجداد الفراعنة لأن الله وهبهم إياه كمصدر للخير والنماء والرخاء الاقتصادي!!
"الشتاء الأوروبي" نار!!
** "الشتاء الأوروبي" بدأ من عاصمة النور وسيكون أشد حرارة من "الربيع العربي" حيث وصلت شرارته إلي بلجيكا وهولندا وتتحسب كل دول القارة العجوز من امتداد أعمدة النيران إلي حدودها لتحرق الأخضر واليابس!!
ينتشر اليمين المتطرف بقوة حيث إن الأوروبيين كفروا بالقومية وبالاتحاد ويحنون إلي الدولة الوطنية التي يشعرون فيها بالأمان وبالهوية وعدم مزاحمة المهاجرين لهم في أعمالهم ومعيشتهم واقتسام لقمة العيش معهم.. خاصة في ظل الركود الاقتصادي العالمي وظهور شخصيات تداعب مشاعر الجماهير وتدعو إلي اغلاق الحدود أمام الآخرين أمثال الرئيس الأمريكي ترامب والروسي بوتين والمرشحة الفرنسية السابقة للرئاسة مارين لوبان التي تقود مظاهرات "السترات الصفراء" في باريس ومعهم فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر.. وهؤلاء لم يعد يقابلهم من قادة أوروبا سوي عدد قليل علي رأسهم المستشارة الألمانية ميركل التي تكاد تكون الوحيدة التي تدعو إلي الأممية وتتمسك بالاتحاد بين أبناء القارة العجوز وتشجع المهاجرين ويلقبونها بأمهم ولكنها سترحل مع نهاية العام ولن يجدوا من يساندهم لذلك يخشي البعض بعد رحيلها من عودة تفكك أوروبا خاصة بعد أن وضعت بريطانيا أول مسمار في نعش "الاتحاد" بالانفصال "البريكست" والانكفاء داخل حدودها!!
قبل أن تحترق فرنسا اضطر الرئيس الفرنسي ماكرون إلي التراجع عن قراراته ووجد صيغة "التجميد أو التأجيل" كمخرج يحفظ له ماء وجهه أي أنه انحني إلي أن تمر العاصفة!!
لا يدري أحد ماذا تخبئ الأيام لفرنسا وهل سيكتفي المتظاهرون أم سيعلو سقف مطالبهم علي الأقل حتي يلغي ماكرون قراراته مثلما فعل الرئيس الراحل أنور السادات في يناير عام 1977 لوقف المظاهرات رغم أنه وصف ما حدث يومها بأنه "انتفاضة حرامية" في حين قال ماكرون عن متظاهري باريس بأنهم "بلطجية وهمج"!!
وبعيداً عن "حرامية السادات وبلطجية ماكرون" فإن احتجاجات فرنسا التي بدأت بدعوات علي الإنترنت وخرج علي أثرها المتظاهرون في الشوارع.. هل ستكون بداية "الشتاء الأوروبي".. كما كان اشعال محمد البو عزيزي النيران في نفسه بتونس في 17 ديسمبر 2010 الشرارة التي فجرت "الربيع العربي"؟!