رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وأسود

في حوار تليفزيوني نادر مع ملك الموسيقي المصرية والعربية بليغ حمدي، عام 1977، سألته المذيعة كوثر مطر باستهجان عن إنتشار أغاني أحمد عدوية، المطرب الشعبي الصاعد بقوة وقتها، التي تنظر لها مثل الكثيرين علي أنها "فساد للذوق"، فرد عليها دون تفكير:"الناس بعد الحروب وفي الأزمات الإقتصادية بتسمع أي حاجة".. لكن لم تفته الإشادة بصوت عدوية، وهو ما يفسر أنه كان قبلها بعام لحن له أغنية "بنج بنج"، ولكن بعدها أمام تيار أغنية عدوية الجارف لحن له أغاني" حبيب قلبى " و"القمر مسافر" و"ياختي سملتين" و"آلا أونا".. والغريب أن شخصية بليغ الموسيقية لم تظهر سوي في لحن "القمر مسافر"، بينما الأغاني الأخري خضعت لسلطان صوت عدوية، فجاءت تلقائية وسريعة ورشيقة وخفيفة.
بعفوية ومكاشفة فريدة وضع بليغ قاعدة السمع والغناء في الأزمات والحروب:"الناس بتسمع أي حاجة".. لكن هذا وحده لا يكفي، فالـ"أي حاجة" التي يقبل عليها الناس عندما تفرض سطوتها تأتي تعبيراً عن المناكفة مع السلطة، تمرد علي الهامش، وتعبير عن الألم والوجع.. والمؤكد أن عدوية هضم الدرس مبكراً فالتف حوله الناس لما غني "سلامتها أم حسن" بعد النكسة، "الأم" كان يقصد بها مصر، وحسن هو اسم مؤلف الأغنية حسن ابوعتمان، وقال فيها جملة "ملبوخة ليه ملبوخة"، وكان يقصد حال البلد الملبوخة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا فنيًا في هذه الفترة الصعبة، فارتبط به الناس.. وكاد عدوية يحترق بين مخالب السلطة في حفل زفاف بميت ابو الكوم مسقط رأس الرئيس السادات، وحسب رواية هاني شنودة:"السادات كان حاضرًا الفرح، ونصح أحد أفراد الفرقة عدوية بعدم غناء "زحمة يا دنيا زحمة"، خوفًا من غضب الرئيس من جملة "مولد وصاحبه غايب"، لكن عند صعوده على المسرح طلب الجمهور منه غنائها، فنظر عدوية تجاه السادات وقام بالغناء، وعندما وصل إلى الجملة المذكورة استبدل بها جملة أخرى، مما لفت الأنظار أن المقصود من الجملة هو السادات".. على الفور أنزل أفراد الأمن عدوية من على خشبة المسرح، وتم التحقيق معه آنذاك حسب رواية "شنودة"، ومُنعت الأغنية من الإذاعة، بل وتم إيقاف عدوية نفسه عن الغناء.
طبعًا لا يمكن مقارنة السبعينات وأزماتها بالوقت الحالي.. لكن من الظلم استسهال البعض بمقارنة ظاهرة عدوية في الغناء الشعبي، بـ"عدوي" حمو بيكا في المهرجانات، وادعائهم أن الظروف والملابسات والتمرد والوجع واحد، فالناس هنا لا تسمع الـ"أي حاجة"، الناس في قلب فراغ كبير من السياسة إلي الصحافة إلي الفن.. ويأتي "البيكا والشطة" لشغل الجميع بخناقات وتوافه، يتخفيان خلف اسماء شعبية، وسينتهيا سريعًا مثل ظاهرة أبو الليف لأنهما مثله لا يغنيان، الأمر مَقصود، مثله مثل شَغلنا بفتوي الداعية سعاد صالح بجواز رؤية الشاب شعر خطيبته وذراعيها وساقيها، وتأكيدها في أخري بجواز معاشرة الرجل للبهيمة.. ألم أقل أن الفراغ كبير..اياكم والفراغ!!

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة