معا للمستقبل
..معركتنا مع الإرهاب يجبأن تكون علي أرضية فكرية لتصحيح المفاهيم المغلوطة!!
لاشك أن الجهود الأمنية التي تنهض بها الدولة في حربها ضد الإرهابيين غاية في الأهمية» لكنها علي أهميتها تحتاج إلي جهود فكرية برؤية مستنيرة واعية بأبعاد ظاهرة الإرهاب التي باتت إحدي المعضلات العالمية ..فما من دولة إلا واكتوت بنيرانها ومن لم تصله شظايا العمليات الإرهابية فلا يعني ذلك أنه بمأمن منها» الأمر الذي يفرض سؤالاً لا مفر منه: متي يتفق العالم علي تعريف جامع مانع للإرهاب حتي تتوحد أساليب المعالجة وطرق الردع وجهود المكافحة..ومتي تتنادي الأطراف الدولية الفاعلة والمؤثرة في مصير العالم إلي مؤتمر دولي تتفاعل في أروقته وعلي موائده أفكار المفكرين ورؤي المعنيين بالظاهرة القادرين علي وضع نهاية لهذا الوباء الذي نزع الأمن من قلوب العالمين حتي أنه لا تكاد تمر مناسبة دولية أو محلية ذات قيمة إلا وتصاحبها عمليات إرهابية تقول بوضوح إن هناك قوي مؤثرة تبغي استمرار تلك الظاهرة لتوظيفها سياسياً وتحقيق المصالح الخاصة من ورائها حتي ولو علي أنقاض الإنسانية وحقوق الإنسان ..وإلا فبم نفسر انتشار داعش وتوغله في الدول العربية مزوداً بأحدث الأسلحة الغربية والمعلومات الاستخباراتية التي تجعله شوكة أو خنجراً في خاصرة العرب وحدهم دون بلاد الدنيا بأسرها؟!
هذا السؤال العام ينقلنا بصورة تدريجية إلي سؤال أكثر خصوصية يخص العرب والمسلمين الذين أضرتهم ظاهرة الإرهاب أبلغ الضرر. ونالت من صورتهم عالمياً ولا نبالغ إذا قلنا إنها نالت من الإسلام ذاته عبر إلصاق تهمة الإرهاب ببعض المنتسبين إليه زوراً وبهتانا والإسلام منهم- قطعاً- بريء وإلا فكيف يرميه خصومه بهذه التهمة افتراءً بعد ما يزيد علي ألف وأربعمائة عام قدم فيها للإنسانية حضارة قامت علي أكتافها وبوحي منها حضارة اليوم التي ينسبها الغرب لنفسه.
ومن العالم العربي إلي مصر التي هي رافعة هذا العالم وقاطرته وعمود خيمته وركيزته الأساسية ..ينبغي أن تتجدد الأسئلة مع تجدد ذكري ميلاد سيد الخلق نبي الرحمة ورسول الإسلام الذي بعث للعالمين بشيرًا ونذيراً ورحمة غابت أو غُيبت عمداً في رءوس من يقترفون أو يساهمون في جرائم الإرهاب بشتي صوره إلي متي تستغرق الدولة المصرية في جهودها الأمنية ضد الإرهاب دون إنجاز نجاح مماثل في حربها ضد الأفكار المتطرفة لتغيير البنية الثقافية والفكرية الحاضنة للإرهاب.. أليس الإرهاب في أصله فكرة آمن بها الإرهابيون ومعتقداً مشوشاً دانت به عقولهم وطمس قلوبهم فسلموا قيادهم لمن يستخدمهم لأغراضه الدنيئة لتحقيق مكاسب سياسية ..وشتان الفارق بين معمل تفريخ ينبت في تربته إرهابيون وبين عناصر إرهابية محدودة جدد جري التغرير بها فآمنوا بأفكار مغلوطة وإذا ما قُضي علي أتباع الفريق الأول سرعان ما ينبت غيرهم ما دامت التربة الحاضنة لهم هي هي لم تتغير وهو الأمر الذي فطن له الرئيس السيسي جيدا وألمح إليه مرات عديدة في خطاباته بمناسبة المولد النبوي الشريف في كل عام وفي مناسبات أخري غيره ولا يزال الرئيس يطالب بتجديد الخطاب الديني وهو الأمر الذي لم تتفهم المؤسسات والأجهزة المعنية مغزاه وحقيقته حتي الآن.
وإذا كان الإرهابي قد بني تصوراته ومن ثم مواقفه وأفعاله من وحي الأفكار..فإن المعركة الواجبة الآن ينبغي أن يكون مبتداها وركيزتها الأساسية هي الأفكار المضادة شريطة أن تكون جاذبة ولها وجاهتها وأسانيدها المقنعة القادرة علي تبديد ظلمات الوهم والتلبيس والخداع الذي مارسه صناع الإرهاب علي معتنقي تلك الأفكار الضالة..المعركة مع الإرهاب ينبغي أن تنطلق علي أرضية فكرية ..فهل يجدي مع تلك الأفكار التركيز فقط علي الجوانب الأمنية بينما مفرخة الإرهابيين تعمل بكفاءة وفعالية وهل تنفع تلك الإجراءات في تحصين نشء الوطن وشبابه ضد رياح الفكر الإرهابي الذي يتخذ من الدين واجهة وستاراً وغاية يستحل من خلالها الأرواح والمقدرات.
ما قاله د.أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي يستحق أن نقف عنده بالتأمل إذ إن الخطاب الديني التنويري في رأيه هو الذي يقدم لنا تفسيرات قرآنية جديدة بدلاً من التي مر عليها أكثر من 1400 عام ولابد من إعمال العقل لفهم النص وتقديم تفسيرات تساعد علي مواجهة الإرهاب والدليل أن المرأة لم تبدأ في الحصول علي حقوقها إلا بعد تغيير الأفكار القديمة فجماعات التطرف تستخدم نظرية غسيل المخ للسيطرة علي النشء عن طريق الحرمان الحسي ما يضمن لها استسلام الضحية لأي توجيهات» ذلك أن بعض الأطفال يولدون ولديهم استعداد للتطرف الأمر الذي تستغله تلك الجماعات لتجنيد الشباب في سن مبكرة.
لم ينس عكاشة أن يحذرنا من مخاطر الإنترنت التي تسهل لفرق العنف اصطياد أشخاص جدد وتجنيدهم في صفوفها ما يفرض علي الدولة ضرورة وضع إستراتيجية لمواجهة التطرف وألا تقتصر في حربها للإرهاب علي تحجيم عناصر الشر وتغليظ عقوباتهم والتعجيل بها فقط رغم أهمية تلك الإجراءات ومن دون ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة وستبقي العلة ويبقي الداء فالإرهاب أعمي وأضل سبيلاً لا دين له ولا عقل ولا هدف إلا الانتقام الأعمي.
ما قاله عكاشة لا يبعد كثيراً عما أكده الرئيس السيسي العام الماضي في خطابه بمناسبة المولد النبوي حيث قال ان أول التحديات التي نعاني منها منذ فترة طويلة هو انفصال خطابنا الديني عن جوهر الإسلام ذاته . وعن احتياجات عصرنا الحالي. وأن علماءنا ومفكرينا تحدثوا عن احتياجنا الملح لتحديث هذا الخطاب وتصويب ما تراكم داخله من مفاهيم خاطئة سواء بفعل مرور الزمن أو بفعل فاعلين أرادوا إخفاء نوايا الشر داخلهم وراء غطاء مقدس يبررون به إرهابهم للأبرياء ويعطون لأنفسهم حصانة من العقاب» ومن ثم فلا مكان للإرهاب وجماعاته وأفكاره وممارساته داخل مصر . وأن مواجهتنا له عسكرياً وأمنياً ستستمر ..ولكن لابد من تصويب الخطاب الديني وتحديثه..وهذا ليس ترفاً ولا رفاهية بل ضرورة حيث إننا بتصويب هذا الخطاب لا ندافع عن دين الإسلام الحنيف فقط بل عن جميع الأديان وجوهر أفكارها» الأمر الذي يجعل من تصويب الخطاب الديني أهم القضايا علي الإطلاق.
لقد ذهب الرئيس السيسي إلي أبعد من هذا حين قال" نحن بحاجة لتشكيل لجنة من كبار علماء الدين والاجتماع والنفس للتباحث في نقاط القوة والضعف التي يعاني منها المجتمع المصري لتقوم بتنقية النصوص وصياغة خارطة طريق تتضمن المناسبات الدينية المختلفة علي مدار العام وتضع خطة محكمة تهدف لترسيخ الفهم الديني الصحيح علي مستوي الجمهورية. مطالبا الأزهر بأن يستمر في دوره كقلعة مستنيرة تسمو في إحياء صحيح الدين لاسيما في ضوء سعي البعض لترويع الناس بالدين وهدم الدولة من أجل أفكار هدامة تُنفق في سبيلها أموال طائلة وقد راهن البعض علي ضياع مصر لكن الله معنا فنحن- كما قال الرئيس السيسي- لم نتآمر علي أحد ولم نقتل أحداً وسنظل نبني ونعمر ونصلح.
لقد وضع الرئيس السيسي يده علي موطن الداء وأس البلاء الذي لم تفعل حياله مؤسساتنا الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية شيئا يدعونا للاطمئنان في ظل غياب فهم مستنير لهذا الدين الحنيف البريء كل البراءة من كل إرهاب ومما فعله الإرهابيون القتلة جميعاً ..ثم أين هي اللجنة التي طالب الرئيس بتشكيلها وماذا أنجزت في هذا الصدد وهل غيرت شيئاً في بنية هذا الإرهاب؟!
أما ما يحز في نفس كل محب لهذا الدين أن الدواعش وغيرهم من الجماعات المسلحة التي خرجت من رحم جماعة الإخوان الإرهابية ألحقوا به ضرراً لم يستطعه ألد أعدائه الأمر الذي يحتاج لجهد مضني حتي تعود له طلاوته ووجهه الحقيقي المشرق فنبي الرحمة لم يبعث بالسيف كما يدعي هؤلاء القتلة بل كان رحمة مهداة فكيف ينحر هؤلاء الإرهابيون بشراً مثلهم وهم يرددون شعار "الله أكبر ".. "كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً" فليس بعد كلام الله تعالي قول ولا بعد حكمه حكم وهو سبحانه القائل : "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
لاشك أن الإرهاب هو أكبر التحديات التي نواجهها اليوم بالتوازي مع الزيادة السكانية الرهيبة..وقد آن الأوان أن نعمل جميعاً علي مواجهتهما بالعلم والعمل والفكر والاجتهاد وتنمية البشر وجودة الحياة فبلادنا لا تزال تستنزف اقتصاديا وبشرياً حيث تنزف دماء الشهداء وآخرهم الضابط ساطع النعماني الذي قرر الرئيس السيسي في بادرة إنسانية طيبة إطلاق اسمه علي ميدان النهضة أكبر ميادين الجيزة.
ما تمر به مصر اليوم من ظروف صعبة يحتم تعبئة وطنية مستنيرة لعبور هذه المرحلة المضطربة إقليمياً ودوليا وهو ما يضاعف أعباء ومسئوليات الحكومة التي أراها مطالبة بالخروج للناس والتواصل معهم وطمأنتهم علي المستقبل..فالمواطن يحتاج لأن يشعر بوجود الحكومة إلي جواره في محاربة الغلاء وارتفاع الأسعار بلا مبرر وتوفير الخدمات بجودة ملموسة.
واقعنا المعاصر وأزماته ليست شيئا مفاجئا ولا مستحدثا فالروائي العالمي نجيب محفوظ قد شخصه بدقة متناهية محذرا من تداعياته حين قال: لا يجوز لأمة متدينة أن تعرف سلبيات مثل الكسل والتهاون والتسيب والظلم والرشوة والاستغلال والامتيازات فإن وجدت فإنما يعني هذا أنها لا تعرف دينها ..فإن كانت تعرفه فإنما يعني أنها تعرفه ولا تؤمن به فإن كانت تؤمن به فإنما يعني أن إيمانها ينقصه التطبيق وأنها تتهاون في تعليمه لأبنائها فليست التربية الدينية حفظاً وتسميعاً لكنها محاولة صادقة لإعادة خلق الفرد علي أسس سامية يصلح بها لمواجهة تحديات عصره وتحفظ له التوازن النفسي والعقلي والخلقي بين ما ينبغي في دنياه وما يتطلع إليه في آخرته.
وفي قراءة واعية للعصر قال محفوظ ما عصرنا إلا عصر العلم والعمل وحقوق الإنسان..فمن الحكمة أن نجعل الدين منطلق تربيتنا ونهضتنا ومن نعم الله علينا أن ديننا دين دنيا. كما أنه دين آخرة يدعو إلي تعمير الأرض ويقدس العلم ويجعل العمل عبادة فضلاً علي أنه رحمة للعالمين لما أعلنه من حقوق للإنسان وما قرره من مساواة بين البشر.
كلمات نجيب محفوظ كاشفة لكثير من علل مجتمعنا وآفاته وهي بمثابة روشتة دواء لتلك الأوجاع وما أكثرها ومن يتأمل كلمات الإمام المستنير محمد عبده الذي قال رأيت في الغرب إسلاماً بلا مسلمين وفي الشرق مسلمين بلا إسلام.. يجد ذلك الانفصام الذي ضرب مجتمعاتنا بصورة وهذا هو موطن الخلل الذي يستلزم أن نتداركه ثقافة وسلوكا وتطبيقا أميناً لمبادئ الدين الحنيف مطلوب مراجعة جادة وواعية لخطابنا الديني والثقافي والإعلامي والسياسي حتي نعوض ما فاتنا وننهي حالة الجدال والفصام التي تغرقنا في الماضي وتحجب عنا المستقبل وحتي نعود أمة وسطا تهدي إلي الحق وإلي صراط الله العزيز الحميد.