رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

التغيير بالقوة يسقط الأوطان.. ويؤدي إلي الفوضي

صراحة الرئيس السيسي لم نعهدها في رؤساء كثيرين قبله. فهو يري أن أقصر الطرق إلي قلوب المواطنين وعقولهم يمر عبر الحقائق والمكاشفة والشفافية والمصارحة ويرفض تزييف الوعي ومغازلة الناس بوعود كاذبة وأقوال مرسلة لا وجود لها علي أرض الواقع..لا يترك الرئيس مناسبة إلا ويعيد التأكيد علي حقيقة مهمة يقولها للمسئولين ويقصد بها عموم المواطنين يقول:" صارحوا الناس بالحقائق.. اشرحوا لهم ملابسات الواقع حتي يشاركوا في تحمل المسئولية واتخاذ القرار¢ وقد أصاب الرئيس كبد الحقيقة حين قال في المنتدي العالمي للشباب بشرم الشيخ في نسخته الثانية: " ما من دولة ضربتها ريح الثورات العربية والفوضي إلا وعاشت سنوات ثقيلة ومتاعب وآلاماً"..محذراً الشباب كل الشباب من مغبة سعي الشعوب للتغيير بالقوة» ذلك أن مثل هذا التغيير يخرج عن السيطرة في أغلب الأحيان. وينتج عنه عواقب وخيمة مثلما حدث في دول المنطقة العربية التي شهدت صراعات أسفرت عن وجود فراغ هائل أدي لتدافع بعض القوي المحلية والأجنبية لأجل التدخل في شئون هذه الدول وإسقاط مؤسساتها وفي مقدمة تلك المؤسسات الجيش والشرطة ثم تبعها بقية المؤسسات.

وضع الرئيس النقاط فوق الحروف بقوله: بمثل هذا التحرك غير المدروس فتحنا أبواب الجحيم علي بلادنا. وكنا مرشحين للسقوط مثل دول أخري لولا عناية الله أولاً وقوة جيشنا.. وكما قلت لكم من قبل خلوا بالكم من بلدكم . فهناك من أراد التغيير دون أن يدري أنه بهذا التغيير سيخلق فراغاً هائلاً لن يملؤه إلا الأشرار من أعداء الدولة» حتي لو كان الحكام اللي قبل كده غير جيدين. محدش حيقول لكم الكلام ده خالص أوعوا..خلوا بالكم من الشعارات الزائفة والكلام المعسول الذي يفضي بكم إلي الضياع..البلاد اللي راحت لم تعد..كم مليوناً ماتوا في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا..من يدفع هذا الثمن؟ فالتكاليف المالية والأخلاقية والسياسية التي دفعتها الدول التي شهدت نزاعات أكبر بكثير من المتوقع..اشتغلوا واصبروا وتحملوا وقاسوا وعانوا بس متعانوش أنكم تدمروا بلادكم لأنها لن تعود..كلنا محتاجون وأنا منهم أن نتعلم كيف نحافظ علي مقومات استقرار الدولة..".
رسائل منتدي شباب العالم كانت كثيرة ومتنوعة. فهو يبعث برسالة سلام ومحبة للعالم أجمع بمثل هذا التنوع الكبير في أجناس وأعراق ولغات وثقافات وانطباعات شباب جاءوا من 160 دولة ليشاركوا في فعالياته التي استمرت 4أيام. ويتباروا في نقاشات وتفاعلات متبادلة بفرص متساوية بلا تمييز ولا تفاضل ليتحقق التكافؤ والمساواة في أبهي صورهما.. كما بعث المنتدي برسالة أمل وتفاؤل بمستقبل العالم الذي سيصبح هؤلاء الشباب الواعي وأبناء جيلهم هم قادته وصناعه..أما الأمل فمبعثه روح التكاتف والتضامن والتوافق والوعي الذي أظهره هؤلاء الشباب الذين أجمعوا علي ضرورة القضاء علي الإرهاب والعنف والفكر المتطرف وردع أعداء الإنسانية المتآمرين المتورطين في تمويل الإرهاب وعملياته القذرة ..أما التفاؤل فمرده تلك الحيوية المدهشة والتألق البديع الذي بدا عليه شباب المنتدي الذين أبهروا الدنيا بأطروحاتهم ورؤاهم العميقة وكلماتهم الخلاقة وتلاقيهم وحكاياتهم المؤثرة والمؤلمة التي تعبر بوضوح عما آلت إليه أحوال البشرية من قسوة وفظاظة وقتل وانتكاسة وظلم ودمار واستهانة بالإنسانية وتدمير لروح الحضارة وإزهاق للتسامح والحوار وقبول الآخر..وفي المقابل سادت الأطماع والأهواء والمصالح الضيقة للدول الكبري الغنية التي تورطت في صناعة داعش. أو غضت الطرف عن جرائمه وجرائم جماعة الإخوان الإرهابية والجماعات الراديكالية بتوفير الدعم اللوجيستي والمعلوماتي لها حتي عاث فسادا وتخريباً وتدميراً في أرض الدول المغلوبة علي أمرها.. والسؤال الذي يعرف الجميع إجابته ويتهرب من مواجهته: أليست الدول الكبري التي تتشدق بحماية حقوق الإنسان هي أول من ينتهك هذه الحقوق تحقيقاً لمصالحها.. باستخدام الفيتو إذا ما اجتمعت الإرادة الدولية لوقف عدوان دولة غاشمة علي شعب أعزل..ألم تكن هذه الدول قادرة علي وقف تشكل وتغلغل تنظيم داعش والقاعدة وغيرهما قبل أن يستفحل وبالهما علي البشرية أجمع..أليس بعض هذه الدول ضالعا في صناعة الإرهاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة..؟!
منتدي شباب العالم الذي انعقد في أرض السلام أراد أن يقول للدنيا كلها ببساطة :" نريد أن نحيا في أمن وسلام..وكفي الشعوب الفقيرة المسالمة ما ذاقته من ويلات الحروب المفتعلة والصراعات المدبرة والفتن التي يحيكها أعداء الحياة علي مرأي ومسمع المجتمع الدولي ومنظماته التي لم يعد يطرف لها جفن أو يتحرك لها ضمير إزاء ما يجري اقترافه من جرائم ضد الإنسانية في حق الشعوب المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها.
يمكننا القول باطمئنان إن المنتدي نجح بامتياز في التعبير عن أوجاع البشرية وآمالها. وقال للعالم أجمع ماذا تعني مصر التاريخ والحضارة في مثل هذا الظرف العصيب الذي يكتنف البشرية كلها. حتي أنني تمنيت لو كان بين الحضور رؤساء الدول الخمس الكبري ليروا ويسمعوا ويعقلوا ما يدور في أذهان الشباب وما تكنه صدورهم من تصورات وتطلعات وأمان وما تحويه ضمائرهم من تعاطف وآلام إزاء إخوانهم المستضعفين ضحايا العنصرية وازدواجية المعايير والفقر وتوحش الرأسمالية . وما يعتري نفوسهم من قلق مشروع علي مستقبلهم في هذا التدافع المحموم نحو الصراعات وتصفية الحسابات وتأجيج نار الحروب ليس بصورتها التقليدية فحسب وإنما عبر أجيالها الجديدة الأكثر إيلاماً وتخريباً وقسوة إذ يجري تدمير الأوطان من داخلها وبأيدي حفنة ضالة من أبنائها.
المنتدي قدم صورة واقعية لما يجري في شتي أرجاء العالم بعيون شباب غير مسيس عبر بتلقائية وموضوعية عن رؤاه في قضايا وشواغل إنسانية عديدة. منها مثلاً أزمة اللاجئين ضحايا الحروب في سوريا والعراق واليمن وغيرها. والهجرة غير الشرعية التي هي ثمرة غياب العدالة وتكافؤ الفرص بين الشمال والجنوب. والفقر والبطالة ..ولم يغفل منتدي الشباب قضية تغير المناخ الذي بات يهدد كوكب الأرض بعواقب جسيمة تدمر الصحة وتهدد فرص الحياة فوق ظهرها خصوصاً فيما يتعلق بالمياه أهم مقومات الحياة علي الإطلاق بعد الهواء.
المنتدي أفرد مساحة لأخطر آفات العصر وهو الإرهاب . فتناول مسبباته وروافده وآثاره الكارثية التي هي نتاج أفكار مغلوطة ومفاهيم خاطئة في الأساس. وكيف يجري التغرير بشباب بريء ليحمل معاول الهدم ويصبح جانياً وضحية في آن واحد بعد وقوعه فريسة سهلة في براثن صناع الإرهاب ومروجيه من جماعات التطرف وخاصة جماعة الإخوان التي تدير ترسانة إلكترونية لأجل هذا الغرض.
أفريقيا 2063 كانت محوراً مهماً علي مائدة الشباب في منتداهم الدولي..وما ينبغي أن تصبح عليه في غضون هذا التاريخ أو كما نريد أن نراها ..وقد قال الرئيس السيسي مخاطباً الدول المتقدمة: " لا تستعلوا علينا بقدراتكم ولكن ساهموا بها في تغيير واقع الدول الضعيفة إلي الأفضل"..وتحدثت صاحبة نوبل نادية مراد الفتاة العراقية التي قالت " مصر بلد عظيم بحضارته وتاريخه العريق..وكل الشكر لمصر ورئيسها علي دعمه لرسالتي واستقباله لي عام 2015 وأمامنا فرصة تاريخية لتحقيق السلام والعدل والمساواة بين جميع شعوب المنطقة بمختلف أديانهم ومعتقداتهم وإعطاء الشباب وخاصة المرأة دورا فعالا لأنه لا يمكن تحقيق السلام الشامل في المنطقة دون إعطاء كل ذي حق حقه ..وعن تأثرها بالرئيس السيسي قالت نادية: خلال مشوار عملي أتذكر ثلاث كلمات قالها لي : يا نادية الشر عمره ما ينتصر ومن هنا ينبغي زرع ثقافة التسامح والمحبة بين شعوب المنطقة ومحاسبة المجرمين وأولهم داعش الذي آن للعالم أن يستجيب لدعوة الرئيس السيسي ولتوصيات مؤتمر الشباب بضرورة الاعتراف بجرائم هذا التنظيم الفاشي ووضع استراتيجية دولية جادة وفعالة لاجتثاث أفكار التطرف والإرهاب من جذورها بوقف كل أشكال الازدواجية وانتهاك الحقوق وتجفيف منابع التمويل وشتي ألوان الدعم التي يجري ضخها لتنظيمات الإرهاب علي مرأي ومسمع من بعض الدول التي ترفضه في العلن وتمده في الخفاء بأسباب الحياة والبقاء.
ولا ننسي أن الإرهاب والتطرف هما مصدر الشر وأساس مأساة شعوبنا بل والإنسانية جميعاً فقد اكتوت بناره دول الغرب ذاتها ولا يمكن القبول أو تبرير الأعمال الإرهابية تحت أي ظرف ولا يمكن لأي دين أو معتقد أن يقبل بها..ومن ثم فإن إجراء محاكمات عاجلة لهؤلاء الإرهابيين مطلب عادل علي جميع الدول أن تسارع بتنفيذه لتأمن شر هذا الوباء الذي لن يسلم أحد من أذاه .
وفي جلسة مهمة تناول المنتدي قضية "ما بعد الحروب والنزاعات" آليات بناء المجتمعات والدول وتوافق الحضور علي حقيقة مهمة مفادها أنه من السهل بدء الحروب ومن الصعب إنهاؤها وكما قال المبعوث الأممي السابق لسوريا دي ميتسورا فإن هناك وجوداً عسكرياً لخمس دول في سوريا بالإضافة إلي داعش وإعادة إعمارها تحتاج لنحو 300 إلي 500 مليار دولار لكن الأصعب من إعادة الإعمار هو إعمار النفوس التي أنهكتها الحروب وأدمتها نار الفقد والتشريد.
من وحي المنتدي نستخلص جملة من الفوائد والأهداف أهمها في رأيي ضرورة مساعدة هؤلاء الشباب علي توجيه غضبهم وثورتهم وطاقتهم الجبارة باتجاه بناء بلدهم والحرص عليه وحمايته من محاولات الهدم والتشويه التي تديرها آلة الشر بلا توقف.
ولم يغفل المؤتمر دور القوي الناعمة في مواجهة التطرف والإرهاب ودور القيادات في تحقيق السلام والنماء وكيف صار العالم الرقمي موازيا للمجتمع الحقيقي حتي فرض سطوته عليه وكيف نجني منافعه ونتحاشي أضراره.
المنتدي كان أيضا فرصة حقيقية لعرض تجارب الشباب وأفكارهم حول التعليم وصناعة قادة المستقبل والاستثمار وهي أفكار تستحق الدراسة والتأمل لكونها صادرة عن قادة المستقبل الذين أرجو أن يلتفت إليها صناع الدراما والسينما والقائمون علي الثقافة والمؤسسة الدينية والتعليمية والشبابية لاعتمادها في معركة واجبة آن للجميع أن يخوضها بوعي وإيمان وحماس للقضاء علي الإرهاب والجهل والشعوذة والخرافة وكافة القيم السلبية التي تعوق حركتنا نحو المستقبل المنشود ..فثمة فكر ديني يطالب الرئيس بتجديده منذ فترة وأفكار متطرفة يلزمها التصحيح بأسانيد قوية تبدد سحب الظلام والتشدد.. فليس مجدياً أن تترك المعركة لجهة واحدة تتصدي لها ..فالكل مدعو للقيام بدوره.. وآن للدولة أن تتدخل لتقديم دراما جادة وقوية تعيد صياغة منظومة القيم وتلقي الضوء علي قصص النجاح والنماذج المطلوب تقديمها كقدوة صالحة لشبابنا ولا يبقي إلا نردد مع الرئيس السيسي قوله للشباب: "اوعي تفقد حلمك واجري لتحقيقه".

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة