رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مابين الاحتجاجات العراقية واللبنانية والنفوذ الايرانى

بوابة الجمهورية
بصرف النظر عن إمكان إدراج الاحتجاجات الشعبية في لبنان والعراق ضمن موجات الاحتجاجات، التي رافقت ما سمي بالربيع العربي في بعض الدول العربية أو صعوبة ذلك بسبب خصوصية الأوضاع في هذين البلدين الشقيقين ومعاناتهما –كل على طريقته- من الطائفية والمذهبية والتدخل الخارجي الإقليمي أو الدولي، فإن ما يجمع بين هذه الاحتجاجات الشعبية يكاد يكون أكثر مما يميز بعضها عن البعض الآخر. 

من بيروت إلى بغداد تنتظم هذه الاحتجاجات الشعبية الواسعة في سياق مناهض للطائفية والمذهبية، التي ساهمت في خلق طبقة سياسية مستفيدة من هذه الأوضاع، وجمعت هذه الاحتجاجات كافة الأطياف والطوائف، ففي احتجاجات بيروت جاء المتظاهرون من الجبل والسهل و الوادي ومن الجنوب الشيعي والشمال السنى، وفى بغداد جمعت المظاهرات بين الجنوب والشمال والوسط من البصرة إلى بغداد.

جمعت الاحتجاجات الشعبية بين إدانة النفوذ الإيراني وأذرعه الممتدة في هذين البلدين باختلاف تنوعاتها ومسمياتها وميلشياتها، اتخذت تلك الإدانة طابعا صريحا في احتجاجات العراق حيث أحرق المتظاهرون الأعلام الإيرانية، وفى لبنان اتخذت هذه الإدانة للنفوذ الإيراني طابعا مبطنا من خلال إدانة العهد اللبناني الحالي الذى كان لحزب الله اللبناني اليد الطولى في فرضه على الجميع ومنحه المساندة المعنوية والمادية الضرورية.

أثبتت الاحتجاجات قدرة اللبنانيين والعراقيين على تجاوز الخنادق الطائفية ومناداتهم بحقوق المواطنة في التعليم والصحة والعمل والثروة بعد تراكم فشل الأنظمة الطائفية فى علاج هذه المشكلات، حيث بلغت نسبة البطالة في العراق 40%، وهو البلد الغنى الزاخر بالثروات فوق الأرض وتحتها، كذلك لبنان الغنى بثروته البشرية والسياحية وبنيته المصرفية المتقدمة ومغتربيه في كافة الدول.

خرج المتظاهرون ضد الفساد الذى تناسل وتكاثر في إطار تقاسم النفوذ والحصص الطائفية من قبل الطبقة السياسية، التي أثرت على حساب المواطنين، وجد المحتجون أنفسهم خارج حسابات الرموز السياسية والطائفية، ففي لبنان أنفق أحد هذه الرموز ما يقرب من 450 ألف دولار على حفل باذخ لزواج ابنه أو مناسبة كهذه، وذلك فضلا عن أسطول السيارات الفارهة التي ترافق مواكب بعض المسؤولين، الذين فقدوا إحساسهم بمعاناة المواطنين، فقد أحصت وزارة الخزانة الأمريكية وفقاً لصحف أمريكية الأموال المنهوبة في لبنان في الداخل والخارج منذ 1982 وحتى 2019 بـ "800 مليار دولار، أما في العراق فإن الفساد المالي ليس مجرد سرقة أو اختلاس، إنما هو فساد مالي مسيس، أي يستند إلى أساس سياسي؛ أي أن الجهات المختصة بمحاربة الفساد ليس بمقدورها مثلا أن تمارس صلاحياتها ورقابتها على مسئولين أو شخصيات سياسية موالية لإيران، فهؤلاء من السياسيين أو الشخصيات التي يمتد ولاؤها خارج حدود العراق، يتمتعون على الملاً بحصانة، مصدرها الولاء العابر للحدود الوطنية.

في حالة الاحتجاجات الشعبية اللبنانية، لا يزال معدل العنف. أقل كثيرا مما هو في الحالة العراقية؛ حيث بلغ ضحايا العنف في العراق عشرات القتلى والمصابين الذين ذهبوا ضحايا القناصة والعناصر الملثمة مجهولة الهوية، ولم تتمكن قوات حفظ النظام والأمن من حماية المتظاهرين؛ الحالة اللبنانية ارتكزت إلى تاريخ طويل من الممارسة الديموقراطية المحصورة في الإطار الطائفي ولكنها على أية حال أفضل من الحالة العراقية، لأنها تضمن حرية التعبير السلمى للمواطنين، وذلك رغم أن حزب الله قد أرسل بعض عناصره للاشتباك مع المتظاهرين وتمكنت قوات الأمن اللبنانية من فض الاشتباك وحماية المحتجين.

في الحالتين أي اللبنانية والعراقية يريد المحتجون تغيير النظام والحكومة واستبدال الطبقة السياسية الفاسدة بعناصر تكنوقراطية نظيفة اليد، وبمقدورها محاسبة الفاسدين واسترداد أموال الشعب وتوفير لقمة العيش والتعليم والصحة وجمع القمامة وما دون ذلك من الخدمات الضرورية، في حين أن المسئولين في البلدين لا يملكون سوى الوعود ومطالبة المتظاهرين بالصبر والتريث؛ حتى يتم لهم ما أرادوا سواء كانت هذه الوعود من الحكومة أو الرئيس أو البرلمان.

المواطنون المحتجون ضاقوا فيما يبدو ذرعا بالوعود التي لا تنفذ فهم يريدون أن يتطابق القول مع الفعل مع التغير، فالتصريحات والخطب لا تسمن ولا تغنى من جوع ولا تحفظ كرامة المواطن وحقوقه، وقد فهم المواطنون الهدف من وراء هذه الوعود ألا وهو التغطية على حقيقة العجز والقصور عن مواجهة تلك الأوضاع المتردية وافتقاد القدرة على التقدم بخطة إصلاحية سياسية واجتماعية واقتصادية بمقدورها أن تلبى احتياجات المواطنين في المدى القصير والمتوسط، خاصة مع انهيار الأوضاع الاقتصادية والسياسية، خطة من شأنها على الأقل أن تفتح الطريق لإنهاء الفساد والمحسوبية ورموزها بطريقة تحول دون الصدام وتحرص على التوازن وتحفظ المؤسسات الخاصة بالدولة وتعيد لها الصلاحية والحيوية.

في الحالة اللبنانية كان اتفاق الطائف الذى عقد لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1989 وعلاج تداعياتها قد نص على تشكيل هيئة وطنية لتصفية الطائفية خلال عام من عقد هذا الاتفاق، وقد تم تجاهل هذا النص منذ ذلك التاريخ وحتى الآن ولم ينظر له بعين الاعتبار باعتباره المخرج الحقيقي للبنان، في الحال العراقية أفضى الاحتلال والغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 إلى تفكيك الدولة العراقية وإفساح المجال لإيران لممارسة نفوذها السياسي المذهبي والطائفي ومنح هذا النفوذ طابعا مسلحا من خلال فصائل "الحشد الشعبي" وغيره من الفصائل التي رغم ضمها إلى الجيش العراقي فإنها لا تزال ولاءاتها موجهة للخارج وموزعة بين الداخل والخارج، فبعض هذه الفصائل قد تدين بالولاء للمرجعية الدينية في مدينة "قم" الإيرانية، وبعضها الآخر تدين بالولاء لمرجعية "النجف"، وعدد فصائل هذا الحشد يفوق الستين فصيلا، ويعنى ذلك أن جزءا من القوات المسلحة العراقية بدين بالولاء للخارج لأسباب عقائدية وينتقص من السيادة الوطنية.

في لبنان ثمة حالة نادرة، تتمثل في امتلاك قوة سياسية ممثلة في "حزب الله" اللبناني قوة عسكرية موازية للجيش اللبناني، وتحتكر قرار الحرب والسلم دونا عن الدولة اللبنانية وتفرض إملاءاتها مع حلفائها على الجميع كما وضح في حالة شغل منصب الرئاسة اللبنانية الذى ظل شاغرا لمدة ثلاث سنوات إلى أن امتثل الجميع لإرادة حزب الله والتوافق حول مرشحه من التيار العوني "ميشيل عون" ليصبح رئيسا للجمهورية.

وكما في الحالة العراقية –حالة الحشد الشعبي، فإن حزب الله اللبناني يمتد ولاؤه خارج لبنان ويعلى المصلحة الطائفية على المصلحة الوطنية اللبنانية، خاصة مع انخراط حزب الله في توازنات السياسة الداخلية اللبنانية والسياسات الإقليمية لإيران في اليمن والعراق وسوريا وفقدت مقاومة إسرائيل بريقها والتي وفرت له قدرا من الشعبية اللبنانية والعربية وقت أن كان الحزب يقصر مهمته على المقاومة.

في جميع الحالات فإن هذه الاحتجاجات المتتالية والمستمرة إن في لبنان أوفى العراق تهز أسس الهيمنة الإيرانية على صنع القرار والسياسات في هذين البلدين وتكشف طبيعة الارتباطات العابرة للمصلحة الوطنية اللبنانية أو العراقية ودورها في التدهور الوطني العام، وقد لا تفلح الولاءات العقدية المذهبية في الإبقاء على هذه الأوضاع خاصة بعد اكتشاف طبيعتها ومحتواها وتغطيتها على حقيقة الأدوار الخارجية والسلسلة المذهبية التي تنتظم فيها.

لا يستطيع أحد التنبؤ بمآلات هذه الاحتجاجات وقدرتها على خرق التشابكات المحلية والإقليمية وتحقيق أهدافها في التغيير وبناء الدولة المدنية الحديثة خاصة في ظل افتقاد قيادة وبرنامج واضحين لهذه الاحتجاجات، لكنه في مقابل ذلك يمكن القول بأن الاعتماد من قبل القوى الإقليمية والمحلية على غياب المواطن والجمهور واختفائه طيلة السنوات الماضية قد ولى وربما إلى غير رجعة.






تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة