بشارة : استعادت القوات الجوية كفاءتهاعقب النكسة بــ40 يوما
نصر اكتوبر .. أسطورة شعب
ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وهكذا كانت ترجمة مقولة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لنحتفل اليوم بالذكرى الـ"46" لإنتصارات أكتوبر/تشرين الأول 1973 ويتحدث اللواء طيار وصفي بشارة قليني أحد أبطال القوات الجوية المصرية والمشارك بحرب السادس من أكتوبر 1973 ليؤكد أن نكسة 5 يونيو/حزيران 1967كانت درسا قاسيا خاصة للقوات الجوية المصرية، حتى إن طائراتنا كانت مصطفة على الأرض بدون حماية أو هناجر أو دشم فأصبحت صيدا سهلا للعدو الإسرائيلي الذي فاجأنا بطائراته على ارتفاعات منخفضة لم تظهر على شاشات الرادارات الأرضية المصرية وهذا تفاصيل الحوار...
ماذا عن بداية رحلتك بالقوات الجوية؟
تخرجت في يناير/ كانون الثاني 1965 من الكلية الجوية المصرية، ثم التحقت بأسراب مقاتلات "الميج 21"، وأتممت جميع تدريبات الطيران في هذا السرب، وأصبحت طيارا مقاتلا.
حدثنا عن وضع القوات الجوية يوم 5 يونيو/حزيران1967 كشاهد عيان؟
ما حدث هو دخول الطائرات الإسرائيلية من البحر المتوسط، بدلا من الاتجاه الشرقي من سيناء، وكانت على ارتفاعات منخفضة فلم تسجلها الرادارات الأرضية، وبدأت بضرب المطارات وممرات الإقلاع، لتشل حركة الطيارين وتمنعهم من الطيران، ثم جاءت الموجة الثانية وقصفت الطائرات بدون إنذار.. وقد أصيبت طائرتي ولكني لم أصب وقتها، وهذا هو الذي تسبب في تكبدنا خسائر كبيرة.
و كانت هناك بطولات فردية حاول فيها عدد من الطيارين عمل المستحيل وأسقطوا طائرات إسرائيلية، مثل الطيار نبيل شكري والمقدم سامي فؤاد الذي أسقط طائرة واستشهد يومها، وغيرهما في المطارات المختلفة.. ورغم عدم إصابتي يومها فإن هذا اليوم ولَّد بداخلي رغبة الانتقام من العدو، الذي باغتنا في غفلة من الزمن، واحتل جزءًا غاليًا من أرضنا، ورغم تدميره للطائرات أو المطارات لم يتمكن العدو من تحقيق هدفه بالنصر على القوات الجوية، فيومها ضرب الطائرات ولم يضرب الطيارين الذين سرعان ما استعدوا للثأر.
كيف استعادت القوات الجوية قوتها بعد تدمير الطائرات والمطارات؟
في اليوم الثاني للهزيمة ذهبنا، بناء على اتصال من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إلى الرئيس الجزائري "هواري بومدين" في الجزائر، الذي أمدنا بأسطول من طائرات "الميج 21"، بالإضافة إلى الجسر الجوي الذي فتحه لنا الاتحاد السوفيتي، وأرسل لنا طائرات مفككة، قمنا بتجميعها في مصانعنا، وبدأنا نلملم شتاتنا، وكنا نحو 60 طيارًا فقط هم من تبقى، والباقي أصيب أو استشهد، وقمنا بتكوين مجموعتين في أنشاص والمنصورة، وبعد 40 يوما فقط من الهزيمة خططنا للقيام بعملية موجعة في قلب إسرائيل، وقمنا بعمل هجوم يومي 14و15 يوليو1967 داخل سيناء، وقصفنا احتياطات العدو الإسرائيلي من الذخيرة والجنود والمعدات، وذلك صدم العدو لأن القوات الجوية المصرية التي ادعوا القضاء عليها، قامت من كبوتها وضربتهم في العمق وتسببت في خسائر لم يكونوا يحلمون أن تحدث لهم.. وكأنهم في كابوس منذ ذلك الوقت حتى حرب أكتوبر 1973.
وهذا العمل رفع الروح المعنوية لدى شباب الطيارين ورجال القوات المسلحة، وفتح الباب لعمليات إقلاع وإبرار لقوات الصاعقة خلف خطوط العدو، للقيام بعمليات ضد الأهداف ومخازن السلاح وتجمعات القوات الإسرائيلية في الشرق.
ما هي أهم البطولات التي قمت بها في حرب الاستنزاف؟
لا أنسى أول اشتباك مع طائرات الفانتوم الإسرائيلية، التي كانت تعد أحدث طائرة في العالم وقتها.. هذا اليوم كان في سبتمبر/ أيلول 1969 كنت أنا والطيار سمير عزيز نطير على ارتفاع منخفض قرب قناة السويس، وخرجت طائرة فانتوم لاعتراضنا فتسابقنا أنا وسمير لضربها، وسبقني هو بضربها بصاروخ فوقعت وضربتها أنا بصاروخ آخر فهوت في بحيرة قارون، واختفت تماما من على شاشات الرادار، وعندما عدنا إلى المطار أنكر الروس الواقعة، لأنها كانت أول اشتباك بين طائرات "الميج 21" والفانتوم الشبح، ولم يكن هناك دليل على سقوطها، وظللنا نبحث عنها في البحيرة لمدة أيام، ولم نجد لها أثرا، وهذا جعل الروس يصرون على عدم سقوطها، وبعد 20 يوما من الواقعة المد والجزر أظهر جزءًا من ذيل الطائرة وشاهدها بعض الصيادين، وأبلغوا عن مشاهدتهم شيئا غريبا، وعلى الفور ذهبنا أنا وسمير عزيز مع فريق البحث، واستخرجنا حطام الفانتوم، والطريف في الموضوع أن الأهالي عندما وضعناها على الونش قاموا بعمل زفة بالطبل والزغاريد.
كيف كان الإستعداد لتحقيق انتصارات أكتوبر 1973؟
بدأنا ندرب الطيارين الجدد على الطائرات الحديثة، استعدادا للحرب بتدريبات شاقة على مسرح العمليات نفسه، لأننا لم نكن نملك ذخيرة تكفي التدريب والقتال، فكنا ندربهم على العمليات مباشرة وفي الحقيقة كان هناك استعداد من الطيارين الجدد للتضحية بأنفسهم من أجل النصر؛ وكانت الروح المعنوية عالية جدا.
ما هي المهام التي كلفت بها في حرب أكتوبر1973؟
في بداية عام 1973 تمت ترقيتي إلى "قائد ثان" في السرب 49 مقاتلات، وكانت مهمة السرب حماية الطائرات المقاتلة والقاذفة، واشتركنا في الضربة الجوية الأولى التي حققت أهدافها، قامت بضرب المطارات والمقرات الإدارية والنقط الحصينة وتدمير مواقع الصواريخ "السكاي هوك"، ومخازن السلاح ومحطات الوقود ومراكز الملاحظة، وبعد الضربة الجوية قمنا بحماية القوات الأرضية للجيش الثالث خلال العبور، واعتراض أي طائرة للعدو الإسرائيلي ومنعها من الاقتراب لشاطئ قناة السويس أو الموجات الأولى للعبور وعندما حدثت الثغرة أسقط السرب 49 وحده، 12 طائرة للعدو الإسرائيلي، واستشهد منا 3 طيارين.
ما أهم البطولات التي قام بها نسور القوات المسلحة المصرية في أكتوبر 1973ولم تنس؟
أثناء حرب الاستنزاف اشتبك الطيار إسماعيل إمام مع إحدى طائرات "الميراج" الإسرائيلية، وبالفعل قام إسماعيل بضربها، وانفجرت طائرته، وقفز هو والطيار الإسرائيلي كلُّ من طائرته، ثم استشهد في طلعة أخرى أثناء الحرب، ومن البطولات الخالدة لطيارينا أيضا الطيار الشهيد سليمان ضيف الله، أثناء الثغرة قام بحماية الطائرات القاذفة، ورغم إصابة طائرته رفض تركهم حتى قاموا بمهمتهم في الاشتباك، وعادوا سالمين واستشهد عقب اطمئنانه عليهم واكتمال مهمته في حمايته.
أما التضحية الحقيقية والتي لا تُنسى أبدا فهي للفتيات الصغيرات من قرى الشرقية وأبو حماد والسنبلاوين هذه القرى كان أغلب رجالها في الخدمة بالقوات المسلحة، وعندما بدأنا في بناء دشم الطائرات ومواقع الصواريخ كان يحضر للموقع يوميا عشرات الفتيات، أعمارهن تتراوح بين 16 و21 عاما يحملن القصعة ويرفعن مواد البناء وراء العمال وأثناء قصف إسرائيل لهذه المواقع كانت تسقط البنات شهداء جنبا إلى جنب مع العمال من الرجال؛ فالحرب لم تفرق بين أحد منهم، ورغم سقوط العشرات منهن نجد أنهن في اليوم الثاني يحضرن لاستكمال العمل، وكن عبارة عن خلية نحل في منتهى الحيوية والنشاط، ،هناك العديد من البطولات لا تسعها مئات الكتب وموضوعات الصحف عن قصص وروايات سطرها الجيش والشعب المصري لتحقيق النصر في أكتوبر1973.